الحل السياسي: المعجزة والتعجيز

لم تكن تصريحات الجبير مفاجئة، وهي لم تحظَ بقبول الرأي العام الإقليمي والدولي، لا في برلين ولا موسكو، لأنها جاءت متصادمة مع التفاهمات الدولية الهادفة إلى محاربة الإرهاب بل محبطة لها، وللتوجّهات الساعية اليوم نحو حل الأزمات الكبرى التي تعاني منها شعوب المنطقة ودولها، ومنها سورية.
فقد استمع الناس منه إلى ما يشبه التخريفات، فهو بعيد عن وعي متحولات الواقع الميداني، والسياسة الدولية، يسبح عكس التيار. هو وهابيّ دعوي رعوي أكثر منه دبلوماسياً. لفت أنظار الناس وعدسات الكاميرات بإحراجه مضيفيه، وبتغريده خارج السرب مؤكداً أن المملكة الوهابية عسيرة الاندماج في توجهات المجتمع الدولي لمكافحة الإرهاب، وصعب عليها أن تدرك أن الرأي العام العالمي يحمّلها مسؤولية دعم التطرّف والتكفير معنوياً ومادياً. مايؤكد أن السياسة السعودية تصدر عن جهل، لا تجاهل.
فقد أكد ما هو مستقرّ في مراكز الأبحاث والدراسات الإقليمية والدولية من أن إدماج المملكة الوهابية كحليف في محاربة الإرهاب والتطرف معجزة، بل مستحيل لأنها قامت واستمرت على دعم ما يُظن إمكانية أن تكون طرفاً في محاربته، فإذا ما حاربته فهذا يعني تقويض أسسها كمملكة وظيفية مناقضة للمشروع الوطني العربي المستنير.
إذن، بعد هذا على المجتمع الدولي أن يسقط من حساباته نجاح الرهان على أي دور للمملكة الوهابية في تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة 2170-2178-2199 بعد مضي قرابة العام على صدورها، وأن يسقط من حساباته إمكانية إسهامها في نجاح أي توجّه نحو الحل السياسي لأي مشكلة إقليمية. وبالرغم من هذا فإننا في سورية لمّا نفقد الأمل في عودة الوعي، وفي الحوار.
فالدبلوماسية السعودية في هذا وفي غيره، ومنذ زمن تنطلق من تخمة الوفرة المالية المؤذية المتغطرسة المتورّمة التي يمقتها أحرار العالم، وبات يرى فيها المجتمع الدولي تعجيزاً وبؤساً ودماراً، ويحمّلها المفكرون والباحثون والدبلوماسيون الخارجون عن سيطرة البترودولار مسؤولية إشعال النار وزعزعة الاستقرار في عدد من البلدان العربية والإسلامية.
وللحقيقة، مع تصريحات الجبير التصعيدية التي فضحت المخبّأ لن تعود هناك فرص كبيرة لنجاح الحلول السياسية لأزمات المنطقة إلا بقيام حملة ضغط شعبية ورسمية إقليمية ودولية تندّد بدور نظام آل سعود في صب الزيت على النار في سورية والعراق واليمن وليبيا ولبنان ومصر… أي على العروبة، والإسلام أيضاً.
إن المبادرات والتفاهمات الدولية الساعية إلى حل سياسي تنطلق اليوم من معطيات الواقع التالية:
< لا ينجح الحل السياسي إذا صادر إرادة الشعب ووعيه، ومصالح المؤسسات والقوى الوطنية والقومية الراسخة في سورية وغيرها التي ترى في الرجعية العربية وتركيا عائقاً تاريخياً ومستقبلياً.
< تنطلق جميع الطروحات التي تركّز اهتمامها على القيادة السياسية السورية من حقد شخصي، ومن أوهام، ولا سيما أنها تفتقد عمداً الرؤية الوطنية والقومية البديلة، فهي تقفز في مجهول، لتصل إلى دعم الدمار والتطرّف فقط. وهي تفتقد الموضوعية والعقلانية بتحامقها على مقام الرئاسة والشرعيّة.
< الحل السياسي يفترض وجود قوى سياسية وطنية مقابلة على الأرض، وليس عصابات مسلّحة لا تستطيع الاحتكام إلا إلى السلاح وبالتالي الإرهاب، ما يتطلب دعم الدولة الوطنية السورية في الحل العسكري أولاً ضد الإرهابيين وبعدها تأتي فرص الحل السياسي، ولهذا أعطت قرارات مجلس الأمن المذكورة أعلاه محاربة الإرهاب الأولوية.
< تقرّ القوى الدولية والإقليمية الداخلة في الأزمة السورية بفشلها في تكوين معارضة سياسية وطنية ناضجة، وبالمقابل بفشلها في تنفيذ قرارات مجلس الأمن، وتعترف بدور القيادة السياسية والجيش العربي السوري الكبير في ضرب المجموعات الإرهابية المتشظّية.
< ليس مصدر التباينات في وجهات النظر التي عمّقتها الحماقات المناهضة للدولة الوطنية السورية هو دور القيادة السياسية، ولا النظام الوطني على أهميتهما، بل الهدف الجرمي بحق جماهير الشعب السوري وقواه الوطنية بمبادئها وثوابتها، وهذا ما لم ولن ترضى به أبداً جماهير شعبنا وأمتنا، وإن غداً لناظره قريب.
بالمحصلة: وحتى لا يبقى الحل السياسي متأرجحاً بين المعجزة والتعجيز، لا بد من لجم هذه الوحوش المنفلتة من عقالها، فالمسؤولية الإنسانية والأخلاقية تقتضي ذلك، ويتأكد يوماً بعد يوم أن أولويات نجاح الحل السياسي تتطلب دعم الدولة الوطنية والجيش السوري في الميدان لمحاربة الإرهاب الجوّال والعابر الذي لا يهدد سورية وحدها… لأن دون ذلك سيطول الانتظار جداً للبحث عن قوى سياسية مقابلة للدولة الوطنية، وذلك ناتج عن حدّة الارتزاق والمأجورية.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *