ليتني كنت أمياً

أحياناً، ينتابني ذكاء مفاجئ، فأدعي أنني أفهم وأتوقع الأحداث، وأجادل باللتي هي أسوأ، كي أقنع الفهيم، وكأنني  أخو زياد ابن أبيه، وأحياناً، يدهمني تفاؤل متعاظم فأرسم صورة وردية لعرب متقنين، ورجال سمر ميامين، ولأمةٍ وسع مساحتها وأكثر، ولقاضايا تنتظر أن نكسبها في زمن قصر القامة، وأحياناً، تزورني أحلام اليقظة: أنا الآن أسير على الرصيف العربي الواحد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي حرّ مثل مواطن أوروبي يتجول وفي جيبه عملة اليورو الواحدة، أتسوق أشواقاً أمالاً وطموحات كثيرة، وأجد أنني على وشك زيارة فلسطين والصلاة في معابدها.

ثم… اللعنة، أضغاث… هيستيريا… فأبدو غبياً أتثاقل في زقاق ضيق من أوطان متهافتة وأسير في خفي حنين، طالباً السترة، والمصيبة أن جيوبنا ليست مترعة بالعملة الموحدة، بل هي مؤهلة للفقر الموحد، باستثناءات نادرة نتعامل مع الأخضر الأمريكي وأحياناً بالأخضر الكولومبي، ثم أقنع نفسي بأنه ليس من الجائز إجراء مقارنة بيني وبين أحد ولا بين بلادي وبلاد الله الواسعة، ولا يصح أن تفاخر الضفدعة بحجمها أمام الثور… وبسرعة أقتنع بأنني ضفدعة، وأمير من جوقة النفق العربي التي تضع الحق على الثور الغربي، من دون أن أكلف نفسي معرفة الأسباب التي جعلت قامتي العربية الكبيرة بحجم الضفدع نهاراً، وبخفة الوطواط ليلاً… فلا وزن ولا حجم ولا طعم ولا لون… فما نفع هذا الملأ العربي الفارغ؟ ثم أقول: أنبذ التفاؤل والتشاؤم والتذاكي وكن واقعياً، فالتاريخ لا يصنع دفعة واحدة، والناس في بلادنا لم ييأسوا من صناعة التاريخ، ثم أفاجأ بأن التاريخ يأس منا وخلفنا أمام محطة التحرير ومحطة الحداثة ومحطة الديمقراطية، ومحطة الحرية، ومحطة الخبز اليومي، والعلم نور، وغيرها من المحطات التي صدأت عندها أقدامنا وتسمرت بسبب إدمان الانتظار، ثم أقول لنفسي، انصرف إلى معاقرة الوقت، ابحث عن فرحٍ ما، حتى ولو كان فرحاً اصطناعياً، العب الورق، مارس رياضة الضحك الإلزامي، تثائب نهاراً ، واستفق ليلاً… ولماذا تحمل السلم بالعرض؟ جربت المهدئات… وما زالت أعصابي ملك الشاشات وما يعرض عليها من مثيرات واقع العرب واحتلالات لأرضهم ومدنهم وقراهم، جربت المسكنات والمنوم… ومازالت عيناي تراقبان ما يجري بعد انتفاضة وأدت أمام عالم يستسيغ القتل ويمعن في استطابة الذبح للأطفال والنساء والرجال في سورية والعراق وليبا وغيرها من بلدان الوطن العربي، ثم قلت… بلاها هذه الشاشات، لكني تابعت القراءة، وصرت أكثر نهماً للحروف، وصرت أعاين بملء حواسي، جنون العالم ضدنا ومن حولنا وصمتنا الداوي أمام العالم، عندها قررت أن أصمت.

فيا ليتني كنت أعمى…

ويا ليتني فقدت سمعي…

ويا ليتني كنت أمياً…

فمن يرشدني إلى سريري كي أنام، بعدما بددت سنواتي على قارعة الحلم العربي في هذا الزمن الرديء من تاريخ أمتنا العربية.

 

د. رحيم هادي الشمخي

أكاديمي وكاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *