بين المواطنة… والمعارضة

يقترن اليوم إقرار نظرية المؤامرة بالاعتراف بقصور العامل الذاتي في مجابهة المواطن العربي التحديات الداخلية والخارجية غير المسبوقة، فالمسؤولية واسعة عن هذا الدمار البنيوي المعنوي والمادي.

فالجميع مدعو إلى إعلاء شأن المواطنة، وهذه الدعوة ترهق كافة أطياف المعارضة، وتحرجها، وتعرّيها تاريخياً ووطنياً وتعصف بدعاويها وباستراتيجيتها، وتجعلها في المستقبل قلقة جداً، إن لم نقل مدانةً، أمام محكمة الضمير والشعور الوطني.

هذا الكلام ليس انحيازاً سياسياً، ولا انتماءً حزبياًً، إنه منطق علمي بحت لا يستطيع عاقل أو وطني نكرانه.

ففي هذه السنوات العصيبة التي نمرّ بها نجد أغلب أطياف المعارضة السورية تنسف العلاقة التاريخية التي تؤسس للسلم الأهلي والعيش المشترك، العلاقة التي ترسّخ الصلة بين الوطن والمواطن والتي هي أساس تكوين الدولة وبنائها، واستمرارها، وتطورها أيضاً. على اعتبار أن المجتمع الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة لاتزال تعتبر عدداً من العصابات الإرهابية معارضة.

وبمنطق العلم تُعرّف المواطنة بتفضيل الارتباط بالوطن على جميع الانتماءات الحزبية والعرقية والدينية، إضافة إلى الالتزام بواجب خدمة الوطن، مقابل التمتع بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور والقانون. أي هي صيغة لتحقيق المصالح المتبادلة بين الوطن والمواطن، وهي وسيلة تناغم واندماج تؤدي إلى إحلال السلام والاستقرار والعيش المشترك.

فإذا ما قام فرد أو جماعة بالإخلال بمفهوم المواطنة فإنه ينسف هذا البعد الوطني والأخلاقي، وعندها يتحوّل إلى عصابة تعصف بالوطن وبالمواطنين على نحو ما نجد عند المتطرّف أو التكفيري الذي يغدو بالمنطق إرهابياً، ولاسيما حين يتهرّب من الحوار، ويحتكم إلى السلاح.

وباعتبار المواطنة مفهوماً مدنياً حديثاً يستند إلى قاعدة وصيرورة تاريخية فاعلة، وإلى إرادة جماعية واعية لتكوين المجتمع والوطن والدولة، فإنها ترتّب على المواطن مسؤولية الالتزام بالقانون العام وبالدستور، والاستعداد للدفاع عن تراب الوطن وسيادته ووحدته وشعبه، مع تحريم وتجريم الارتباط بالخارج على حساب هذه المسؤولية.

ولذلك تغدو أغلب أطياف المعارضة الخارجية، وكل العصابات المسلحة في ضوء علم الاجتماع متمرّدةً على المواطنة، بعيدةً عن الوطنية. أي أنها تقوم بعمل جرمي بمنطق العلم، والقانون، والدستور.

ومن هنا ينبع الالتحام الشديد بين المواطنة والوطنية، فلا ينحصر أبداً الولاء للوطن بالمواطنين المقيمين فيه. فمغادرة أرض الوطن لأسباب العمل أو الدراسة أو السياسة لا تعني التنصّل من المسؤوليات التي تفرضها المواطنة، حتى لو اكتسب المواطن الجنسية الأجنبية، فالوطنية لاتسقط عن المواطن المسافر أو اللاجئ أو المعارض، وينبغي أن يُحاسب على أساسها في المستقبل.

ويعرف الإرهابيون و«الجهاديون» رسوخ هذه المفاهيم في المجتمع العربي السوري لذلك دفعوا بها إلى الغياب، وساعدهم في هذا رهط من المثقفين التقنيين من مرتزقة البترودولار.

فالتقى الوهابي والإخواني والصهيوني ومدّعي العلمانية في مساعدة الإرهابي ليتجه من أربع جهات الأرض إلى أرض الجهاد، ويتخذها وطناً، لتغدو الهجرة إلى “أرض الخلافة” واجباً دينياً يقترن بالاستيطان، على غرار الهجرة الصهيونية إلى “أرض الميعاد” والاستيطان فيها، فالطرفان يمارسان الأساليب نفسها. وهنا يكمن المعنى الصهيوني للجهاد التكفيري من حيث البنية الإرهابية والاستيطانية نفسها تماماً.

المعارضة عندنا معارضة لا وطنية تنتهك قواعد الوطن والمواطنة، وتشذّ بذلك عن المعارضة السياسية القانونية في الدول الديمقراطية وأمامنا مثال تركي حيّ لا يبدو أنها ستستفيد منه نظراً لارتباطها العضوي بالخارج.

فأية معارضة تلك التي لا تجرؤ على التنديد برفع إرهابيي حلب راية المجرم ابراهيم اليوسف؟! هذا يلغي تماماً أمامها المنطقة الرمادية، أو الطريق الثالث…، فالمعارضة التركيّة التي دوّخت أردوغان الآثم قبل الانقلاب انتقلت لتعطي معنىً راسخاً للوطن والمواطن والوطنية. وهذا درس ومقياس لكل سوري خرج عن دولته ووحدته الوطنية، ولاسيما أن الوطنية في الفسيفساء السورية ترتبط ضرورة بالعلمانية. والمواطنة فيها لم تلغ الخصوصيات الثقافية واللغوية، ولم تتناقض مع التعددية ولا التشاركية، بل لطالما ارتبطت بتوسيع دائرة المشاركة في اتخاذ القرار أي قرار.

بالرغم من إدراك القيادة السورية كل ذلك، إلا أنها لم تتصرف على نحو مانجد عند بعض حكومات الخليج التي حرمت مواطنين  حقوق المواطنة، بل على العكس بادرت إلى إعطاء الخارجين على الوطن والوطنية فرصاً متكررة، وكانت سعة الأفق عند السيد الرئيس غاية في الصبر والثقة والتسامح وهو يكرر إصدار مراسيم العفو.

ما يؤكد رحابة صدر الدولة الوطنية ورؤيتها الحكيمة التي تضع مصلحة الوطن ووحدة شعبه وترابه فوق كل اعتبار، وأن النصر سيكون حتماً لهذه الرؤية الاستراتيجية التي تُترجم في مختلف الميادين السياسية والعسكرية صموداً تاريخياً وإنجازات عظيمة أثارت وتثير دهشة العالم.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *