صَلَوات

هكذا ودون أية مقدّمات تعود أزمنة بعينها وتلحُّ على الذاكرة، حينما كانت الحياة أحنّ؛ أرقى وأرقّ، حين كانت حريراً أبيضَ يحملني في الصباحات إلى حيث الصلاة متاحة للجميع، أدخل المكان كسواي من الصغار، أحني الرأس عند المدخل أقف أصلّي للإله الذي أعرفه ويعرفني؛ قادراً حانياً محبّاً وكريماً، وأعرف أنه جامع للكلّ، أتناول رشفة من السائل الأحمر وقطعة الخبز، أشعل شمعة كالآخرين، بيده راعي المكان يمسح على رأسي ويبتسم، أدعو لأحبتي ببراءة الصغار وإيمانهم وأخرج منه كالآخرين. لم تكن الزيارات المتكررة حينها؛ مصدراً لأي تساؤل، وما كانت تحتمل أي معنى آخر؛ سوى أن الله موجود في مكان ما حيث يمكن لي الاقتراب منه أكثر.
……………
وبعيداً عنها في الزمن أيضاً؛ أقرب إلى الآن، في الشارع المزدحم، لمدينة تجاور دمشق، ما كان لشيء أن يمنعني، لا الزحام ولا الوقت، عن التوقف أمام بوابة “المقام” المشرعة على المحبة، وموقداً معدّاً للشموع، ألتقط واحدة أحاول إنارتها وتعاكسني الريح أكثر من مرة، تسألني امرأة: “إلك حاجة يا أمي؟! الله يتقبل”… لا ليس لدي؛ إلا أن للقلب حاجة لشيء من الزاد.
قد تلحّفت بالعباءة مرات ومرات، خلعت من قدمي؛ ودخلت حافية كالجميع حرم الأموي الكبير، جلت فيه حتى ردّت الروح؛ وخرجت يرافقني ظل الله، كما كان معي في كل الأمكنة الأخرى.
….……..
لكني أول أمس مسّني وجلٌ من السؤال: “ما المكان المقصود في باب مصلى، ما الذي يوجد في باب الصغير؟! حلفت بكل إيماناتي ومعتقداتي أنّي لا أعرف بالتحديد: “لا أعرف سوى أن للبعض هناك مكاناً، حيث يمكن للروح فيه أن تستردّ بعضاً من الروح، لا أعلم إن كانت توقد فيه شموع، لكني أثق أن هناك للدعاء الصادق فضاءً رحيباً، وطريقاً تودّي به حيث يريد.
…….….
للبعض أن يعتقد أن تلك المعتقدات أفيون للشعوب، ولي أن أؤمن أنها شأن حياتي وظاهرة اجتماعية عظيمة الأهمية؛ وجدت لترتقي بالمجتمعات ولترفع مستوى الأخلاق، أؤمن أنها إنما وجدت لرفعة الإنسان وتشريف الحياة، وأؤمن أكثر أن لهذه الأرض خصوصيتها التي لم تأتِ من كيانية ولا من حالة طائفية، ليست لها عرقية وحيدة، ولا مذهبية محدّدة، ذلك أن الزمن أثبت أنها ولاءات وانتماءات لا تمتلك القدرة على إقامة مجتمع سليم، وليس لها أن تكون عماد وطن وبلاد قادرة على مجاراة العصر، ليس لها سوى أن تكوّن تجمعات منغلقة على ذاتها، تشدّ المجتمع إلى الخلف، وترتدّ به بعيداً عن ركب الحضارة، وتذهب به إلى الدمار، بعد أن أنزلت من عليائها واختلطت بالمصالح الأرضية لتفعل بالعقول فعل الأفيون، حيث الفرجة الوحيدة عندها؛ مسرحيات الدم والأشلاء، وحيث لا نعلم كم علينا أن نبقي الملح يضغط على الجروح، وإلى متى نعضُّ بالأسنان على الروح.

بشرى الحكيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *