أين الـ “لماذا”؟

نكاد نكون على اتفاق شبه تام شعبيا ورسميا ووجدانيا كما اعتقد، على أن ما تمرّ به البلاد اليوم، هو وفي أحد أشكاله أزمة أخلاقية وثقافية وفكرية، تتموضع في مكانها المعتاد تاريخيا خلال كل حرب، وهذا النوع من الأزمات أو الحروب التي تختلف فيها الأساليب، يوجد فيها للميديا الدور الأبرز، وهو قولا معه لن تنفع معه الآلة العسكرية التي تحقق اعجازات في ميادينها، لذا أصرت الدولة السورية على بقاء حتى المؤسسات التي تبدو ترفيهية في زمن الحروب، قائمة ولها عملها وفيها موظفيها حتى أولئك “المفيشون والمفيشات”، إلا أن اعترافنا شبه الجماعي على هذا الشكل الخطير من بين أشكال الحرب التي نخوضها منذ سبع سنوات لا يكفي لوحده فقط، يجب أن نكون قد وضعنا برامجنا وأفكارنا وخططنا الميدانية لهذه الحرب، وحيث أننا نبدو بالشكل قد فعلنا وفعلنا الكثير أيضا! –يمكن الوصول للإحصاءات كما اعتقد-، لكن ما رأيكم بسؤال الواقع عن أثر ما فعلنا؟، كيف عرفنا أولا أن ثمة رد فعل أو أثر مقابل؟ كيف دافعنا ضد هجوم كتاب “الكبائر” لـ “إمام الكذابين “محمد بن عبد الوهاب” وهو صنعة العائلة الحاكمة اليوم في نجد والحجاز، حيث بدأ تكفيره الناس، وجعلهم حسب مزاجه السفيه بين كافر ومؤمن، ماذا كتبنا مقابله لقرائه ذاتهم، بماذا خاطبناهم؟ وبأي لغة قاربنا معتنقهم الخبيث؟ والأهم كيف سوقنا فكرنا “النير” بينهم وفي المجتمع الذي استيقظ ذات يوم فوجد المواطنة سُلبت منه؟

هل صدق الناس أننا أيضا أصحاب علم وطريقة حياة وأسلوب راق وحضاري، وذلك من خلال الندوات والمهرجانات وحفلات الكوكتيل والبرامج التي لا ساق لها ولا قدم، التي ما مللنا اقامتها طوال تلك السنين؟ هل جاء من أردنا مخاطبتهم ب يا “أخي في الوطن” إلى حيث نحن والتحق بالوطن عن كامل وعيه ورغبته؟ وماذا حققنا بشكل فعلي على الأرض اقصد كمؤسسات اجتماعية ترفيهية تعتبر في زمن الحرب كما اسلفت، ماذا فعلت مسرحيات المسرح القومي وكيف استقطبت جمهورا كان قاطعها، وماذا فعل الفيلم السينمائي، هل حضر أحد التكفيريين فيلم “الأب” مثلا، ثم قال: “نعم لقد أخطأت”؟ وهل اقنعنا الرأي العالمي ب”الرابعة بتوقيت الفردوس”؟ أو جعله مسلسل “عيلة خمس نجوم” مثلا، يعيد التفكير بما هو حاله وكيف أنه اخطأ الوقوف في الهاوية التي تبتلعه فعلا؟

إنها أسئلة يحق لنا أن نسألها كصحفيين، فثمة مال ونقود صرفت في وقت عصيب لهذا السبب، وجله من جبين الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم والمفروض أن ضميرنا هو ضميرهم، وهناك سوريون يلتحفون الأرصفة ومنهم من يضطر للعمل بما لا يرضي أي ضمير، إن كنا فعلا قد قدرنا أيضا اقصد كمؤسسات اجتماعية، على مخاطبة الطرف الأخر وإقناعه بالعودة ثقافيا وعقائديا إلى حضن الوطن، وليس بعد هزيمة عسكرية على يد الجيش العربي السوري، فهذا مقبول ويبنى عليه، ولكن ماذا لو لم يحدث هذا؟ إن لم يحصل هذا فينبغي أن يتحرك سؤال “لماذا” مادام قُدم لكم ما طلبتم؟، وهذا السؤال عادة ما وجهته الصحافة السورية عموما، لكن حجم الفساد الأخلاقي في ملف شائك كهذا، يستطيع أن يدهس فيل بحجم عربة قطار، فما بالكم ببضعة أشخاص، لا زالوا على دين هذا الوطن مهما بئست حالهم، ولن يملوا الحديث عن هذه ال “لماذا” حتى لو دهسهم ذاك القطار، بعد أن امتلأ عن بكرة أبيه بمن فيه!.

تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *