«الآمنة».. لن تكون آمنة

قُبيل زيارة أردوغان إلى موسكو، المرتقبة اليوم، يتضح أن “المنطقة الآمنة” التي بدأ الحديث عنها الرئيس ترامب عقب قراره الانسحاب من سورية لن تكون إلا تهديداً للأمن والاستقرار والسلام في سورية والمنطقة.

فبُعيد إعلانَي ترامب عن: الانسحاب، والآمنة، تواصل التنسيق الأمريكي التركي بشأنهما… ثم صرّح الغدّار أردوغان عن رغبته بزيارة موسكو وعن طرحه فيها “.. إقامة منطقة جديدة آمنة سيتم تطهيرها من الإرهابيين لضمان الأمن والاستقرار في تلك المنطقة..”؟!.

ومن الواضح أن القرارَين الأمريكيين بالانسحاب وبالمنطقة الآمنة أعطيا لأردوغان ضوءاً أخضر مجدداً ليتابع أطماعه ومطامحه ليس في سورية فحسب، بل في العراق أيضاً… وصولاً إلى ليبيا وما يتصل بها من طاقة ومن موقع في قلب دول أفريقيا العربية.

فعلى الأشقاء، والحلفاء، والأصدقاء في المنطقة والعالم أن يعرفوا أن استراتيجية أردوغان في المنطقة لا تنطلق فقط من منظومة إخونجية بغيضة، ولا من طموح لبعث عثمانية رجعية جديدة، بل أيضاً من إدراك خبيث ومخاتل لرد فعل على ترِكة تاريخية متأصّلة عند شعوب العالم حول عثمانية “الرجل المريض” في الماضي.. ردٍّ معاصر على أن استغلال طرح “الرجل المريض” الذي قُوِّض سلطانه بحقوق الجوار ومطامحهم يجب أن يشهد انزياحاً في الزمان والمكان إلى الواقع العربي الذي صار هو الرجل المريض، فيرى أردوغان ومنظّرو حزبه، منذ نظرية داود أوغلو في “العمق الاستراتيجي”، ضرورة أن تستبد تركيا به بثوب عثماني إخونجي جديد.

لا بد أن يدرك الأصدقاء في موسكو، ومعهم ومعنا المجتمع الدولي، خطر التنسيق الأمريكي التركي حول الانسحاب والآمنة، ولا سيما ما أعقبه من تصاعد همجية العدوان الصهيوني على سورية وصمت مجلس الأمن المريب عن هذا العدوان صمتاً نعتبره تشجيعاً، وما يتصل بذلك من عدم قناعة المجتمع الدولي بإمكانية أن تكون تركيا شريكاً موثوقاً به، وأن الجماعات التي تدعمها تركيا وتراهن عليها حتى سياسياً هي عصابات تكفيرية متطرفة تفرض قرارات مجلس الأمن قصفها.

وعليه، فإن طرح المنطقة الآمنة في ضوء الفهم والتنسيق التركي الأمريكي لايزال ملتبساً وإشكالياً أولاً، وهو انتهاك سافر للقانون الدولي، ولمبدأ السيادة ثانياً، ولن يزيل لقاء أردوغان في موسكو اليوم الغموض الذي يلف واقع ومستقبل هذه المنطقة ثالثاً، وهو رابعاً مقترن يتجاوز قرارات مجلس الأمن ذات الصلة حول “التنظيمات الإرهابية” التي تعمل تركيا على إرساء انزياح في مفهوم الإرهاب من النصرة إلى الأكراد فقط، كالانزياح في مفهوم الرجل المريض من تركيا إلى العرب.

هذا الطرح يتصل، بل يؤكد ما أعلنته موسكو أمس من أن واشنطن تعمل على إرساء خطوط تقسيم جديدة في المنطقة، ويتناقض أيضاً مع تفاهمات ولقاءات أستانا وسوتشي وجنيف، ومع كل الجهود الرامية إلى تعزيز المسار السياسي لوقف العدوان على سورية. تلك الجهود التي سيضطلع البهلوان أردوغان بتقويضها لأسباب عديدة.

فمن لا يعرف أن حدّة الحرب على سورية والعرب لم تتصاعد لولا أردوغان، فكان من الممكن الإسراع في هزيمتها لولا فتح أردوغان حدوده لتدفق إرهابيي العالم، ومال الرجعية العربية، وسلاح التجّار والمرتزقة؟!.

ليست سورية وحدها مهددة اليوم بصلف أردوغان وجنونه، فهو اليوم والمجرم نتنياهو وجهان لعملة واحدة في تهديد أمن المنطقة والعالم واستقرارهما.

إن أمن المنطقة واستقرارها هو أساس أمن العالم واستقراره، والمسألة كلعبة الدومينو على حد طرح الرئيس الأسد في بداية العدوان، فلا أحد اليوم في العالم “مرتاح”. فالولايات المتحدة ترزح تحت عدة مشاكل منها إشكالية الرئيس وإشكالية الإغلاق الحكومي الناجمة عن أزمة الميزانية، وكذلك تعاني بريطانيا من الفوضى السياسية، وفرنسا من النزعة الشعبية ومن الشعبوية أيضاً… والمنطقة الآمنة ستعود بالعالم وبالمنطقة سنوات إلى الخلف، بل إلى المربع الأول، كما يُقال.

وسيكون من العسير على المجتمع الدولي تفادي خطر هذا الطرح، فالمجتمع الدولي اليوم يتجه بسرعة نحو الزعزعة، والتعثّر، وغياب التوازن، والاضطراب أيضاً، فهناك “مقاطعات” وتباينات وتناقضات تعصف بملتقياته من قمة بيروت الاقتصادية، إلى قمة دافوس اليوم للمنتدى الاقتصادي العالمي، إلى قمة وارسو المقبلة حول الشرق الأوسط التي دعت إليها واشنطن… وهكذا. فالعالم يدخل في عدة أنفاق للفوضى بتجلياتها الجديدة غير السياسية وغير العسكرية، إنها الأخطر وهي الفوضى الاقتصادية والاجتماعية التي تحدّث عنها التقرير الأممي المقدم إلى قمة دافوس.

إن فشل الرهان على نظام العولمة ساعد على تقدّم طرح الامبريالية المتوحّشة بنظام الفوضى الخلّاقة، فاقتصاد الولايات المتحدة يتجاوز 25٪ من الناتج المحلي للعالم.

إذن: استقرار سورية ضرورة لاستقرار المنطقة والعالم، هذا الاستقرار بالمنطق الفلسفي والرياضي ينتجه الصمود ونسق الكبرياء والإباء والمقاومة.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *