لامّات الحب

 

هي قسوة النظرات حين لا تشبه العمر، وعبثية الأقدار حين تحرم بعض البشر من الأمان؛ هي عيناها اللتان كانتا تزدادان عمقاً بقدر تشبّعهما خوفاً واتّشاحهما حزناً، ربما هو الشعور بالحرمان ما يزيد العينين عمقاً، وما يجعل النظرات تبثّ شيخوخة القهر لا العمر..

جسدها الصغير النحيل اعتاد مرغماً على حمل هموم عالمها في كيس يتّسع لكل شيء إلا طفولتها، تضعه على كتفها المتعب، وتمضي في الشّتات، لا سبيل لها ولا غاية، فهي ابنة الطرقات التي وحدها استطاعت أن تستوعب عجزها وانكساراتها وقسوة العيون التي تتهمها بما لا ذنب لها فيه سوى أنها ولدت من رحم معاناة تخبئها وراء ابتسامة رمادية توحي بآلاف الرسائل والكلمات، وما من قارئ.

تسلّم كلّ يوم للريح مصيرها دون أن تستسلم لها، تحاول أن تلمّ كل ما يمر في طريقها، كسرات الخبز وحدها لا تكفي، فهي لا تُشبع طمع من أطلقها في الطّرقات، عليها أن تلمّ كلّ ما تجده في الدروب، لكنها تتعمد طرق أبواب القلوب لتلمّ محبة غافية تنقذها، وما بين السبيلين تضيع كل الحكايات وكل فرسانها، تبعثر بيديها الصغيرتين غبار الأرصفة وبقايا الروح، وتخبّئ بين ثنايا ثيابها نظرات طفولية خجلة تستجدي عدم العطف، وتطلق بصوتها الصامت استغاثات تملأ الكون عساها توقظ ضمائر مازالت حية رغم السبات وأرواحاً مازالت تسمع رغم كل هذا الصّمم.

وحدها فسحة الحياة مع شبيهاتها تمنحها الشعور بالانتماء بعد ازدراء مقيت، بين تلك الأرواح المتعبة تجد هي، وأنت، الضالّة المنشودة، قوتهن أكبر من أن تُقهر، تجد في أصوات صخبهن عوالم مختلفة وآمالاً بعيدة تحمل ما يكفي من الأمل للانبعاث كل يوم، الأحلام كبيرة رغم العتمة والقلوب تنبض بالجمال لتبدّد محيطها المظلل بالقبح، عوالم تدرك فيها أن للحياة ألواناً أخرى قد تراها باهتة لا روح فيها، لكن من يعيشها هو وحده القادر أن يمنحها اللون الذي يهبه القدرة على الاستمرار والمحاربة للبقاء، خلف رنات أصوات ضحكاتهن المنفلتة من الزمان والمكان حسرات كامنة يأبى عنفوانهن المبكر البوح بها، فتراهن فراشات لم تمنعها أجنحتها المتكسرة من التحليق.

في الوقت الذي تتضاعف فيه الخشية على طفولتهن التي شرّدتها الأزقة وبعثرتها الأيام، بتّ أتعمّد التأمل، من بعيد، وسط ضياع بين نفسي ونفسي، ربما لأنني أدركت، متأخرة، أنه يجب عليّ أن أستمدّ من نظراتهن المعنى الآخر للحياة، ولعلّني أريد أن أجد في بحثهن الدائم عن الطريق طريقاً جديداً من طرقات الأمل المختلفة التي قد تحمل أشد أنواع القسوة، لكنها وُجدت لتكون فرحة الوصول فيها أكبر من كلّ القسوة ومن كلّ الطريق..

هديل فيزو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *