البراءة الإبداعية

عندما كنا صغاراً كنا على يقين أن الدمى الموجودة في غرفتنا أو تلك الأشياء التي يظن الكبار أن لا حياة فيها والموزعة في أرجاء المنزل تبدأ حياتها عندما ينام الجميع، وأنها تعيش مغامرات ومصاعب وقد صنعت العديد من الأفلام والرسوم المتحركة لتتحدث عن هذا المشهد الذي سرق عقول الكثيرين من الأطفال، وهذه ليست إلا حالة من الحالات التي يخلقها خيال الطفل اللامحدود، لكن سرعان مايصبح الخيال أكثر خنوعاً للواقع كلما تقدم العمر ولايبقى سوى الاهتمام بأساسيات الحياة واحتياجاته والبيئة المحيطة هي اللاعب الأساسي في إغناء كل شيء.

تمكن الخيال من إخراجنا إلى عوالم أجمل بكثير مما كنا فيه حين مزجناه  ببعض من الواقع، البعض منه احتاج إلى الخبرة والمواد والأدوات الكثيرة لتجسيده كمادة، والبعض الآخر لم يحتاج سوى للخبرة والذكاء فقط، فمسرح خيال الظل مثلا لم يشبه المسارح العالمية المليئة بكل أنواع الإنارات والأدوات المؤثرة بل هو مساحة صغيرة لا تتجاوز بضع سنتيمترات اعتلتها شخصيتان رئيسيتان هما كركوز وعواظ صنعت من الجلود المجففة، وقدموا أنفسهم بحوار فكاهي لطيف وبسيط وهادف ليخلق سيناريو إبداعي حاكى الكبير قبل الصغير بالرغم من تواضع أدواته.

وبمثل هذه الأشياء التي كان أساسها الخيال قدم من خلالها أفكاراً عظيمة وتطورت مع التيار لتصبح عالماً من الشاشات التلفزيونية وأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة والعوالم الرقمية، وأصبح صغيرنا يعي كيفية استخدامها أكثر من الكبير نستطيع أن نسمي هذه الحالة مسيرة من التطور على أيدي أشخاص تخيلوا عالماً وساهموا في تنفيذه كحقيقة وربما سرق التطور الوقت من كثيرين دون استثماره بشكل صحيح فكم هائل من الناس يضيعون ساعات وساعات بالجلوس خلف هذه الأجهزة دون أي هدف “وإجت زيت على زيتون” مع الأشخاص المحيطين والذين خلقوا للتنمر أو للروتين المؤسساتي واستصعاب أي شيء كفيل بأن يقتل تغذية الخيال بعالم أجمل والقرب من الغباء والبرمجة الروتينية.

وفي كتاب (من قتل الإبداع؟!) للمؤلفان أندرو جرانت وجايا جرانت وضحا أن البراءة الإبداعية التي كانت تعرفنا وتميزنا في  صغرنا تاهت وسط السعي لتحقيق الأهداف الشخصية أو المؤسسية ويبدو أننا نتحول إلى كائنات من الموتى الأحياء بلا مخيلة.

لكل شخص خياله الخاص والمختلف عن الآخر فمنهم من تفوق حدود خيالاتهم لتتطور إلى إبداع غير مسبوق، ومن يحالفهم الحظ هم من يخلقون في بيئة تتمتع بالجرأة لتنفيذها وتمويلها بالكامل، كما أن القوة والثقة بالنفس لها دور كبير حتى لو شحت المواد المتوافرة وبالرغم من كل الظروف نستطيع أن ننجز مشروعنا بأقل الخسائر.

ذكر لنا المؤلفان أندرو وجايا في كتابهما قصة غريبة عن ذلك الألماني هينينج براند الذي كان مقتنعا بإمكانية إنتاج الذهب من بول الإنسان بعد تقطيره وظل يجمعه على مدى أشهر وبعد فترة من الزمن بدأت المادة بالتوهج وفور تعرضها للهواء اشتعلت فيها النيران، وعرفت هذه المادة بالفوسفور، وأصبح يستخدم لأغراض متعددة ابتداء من السماد والمواد المتفجرة وانتهاء بمعجون الأسنان والمنظفات، وهو دليل على الإصرار في تنفيذ ما فكر به.

القوة تكمن في الروح والعقل ليس فقط بالجسد وتغذيتهم بشيء مفيد هي سلاح للتحرر من كل القيود المحيطة لنطلق لأنفسنا الحرية وربما لحظة تمر في أذهاننا قادرة على تغيير حياتنا رأسا على عقب.

البعث ميديا || ريم حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *