لوموند: إيران انتصرت على أميركا في العراق

لم تعد الولايات المتحدة تسيطر اليوم على الوضع في العراق، باستثناء التحكم بقواعدها العسكرية النائية هناك، حتى باتت تقبل بأن تقصف من قبل إيران بشرط عدم وقوع خسائر بشرية.
الصراع المفتوح بين طهران وواشنطن، بدأ في 27 كانون الأول 2019 وانتهى في 8 كانون الثاني الجاري، بانتصار إيراني لا يمكن نكرانه، ففي هذا اليوم تمكنت إيران من قصف قاعدتين عسكريتين أمريكيتين في العراق بالصواريخ، ولم تحرك واشنطن ساكنا.
لقد أصبحت الولايات المتحدة محاصرة في العراق، وبميزان القوة العسكرية، فايران هي التي ربحت الحرب، ولا يمكن للبيت الأبيض الأمريكي استعادة قوته هناك الا بالتصعيد الإقليمي وبالمكاسب العسكرية الممكنة والمرتبطة بعواقب سياسية واقتصادية مدمرة، وعليه من المهم حاليا استخلاص دروس كثيرة من النصر الإيراني على الولايات المتحدة في هذه المرحلة.
حرب الاثني عشر يوما
“حرب العراق” هذه لم تدم سوى 12 يوما وقتل خلالها 40 شخصا فقط، لكنها في نفس الوقت كرّست وضعا جيوسياسي جديد، فالتدخل الأمريكي في الشرق الأوسط جعلها تخسر المزيد من البدائل المحلية في مواجهة القوة الإيرانية التي تمكنت من تعميق وجودها وتوسيع شبكات نفوذها خاصة في العراق، طهران هي من فتحت باب الصراع أو المعركة مع واشنطن في العراق، من خلال اطلاق صواريخ على قاعدة عسكرية عراقية بالقرب من كركوك، أسفرت عن مقتل مترجم (متعهد) أمريكي وذلك في السابع والعشرين من كانون الأول 2019، وهي أيضا من أنهته عبر قصف بعشرات الصواريخ من أراضيها على قاعدتين أمريكيتين الأولى غرب بغداد والثانية في كردستان العراق، في المقابل تعرضت ايران وحلفائها لخسائر بشرية كبيرة، فقد أقدمت الولايات المتحدة على شن غارة جوية استهدفت 25 شخصا من الحشد الشعبي في التاسع والعشرين من الشهر نفسه، بعد يوم على محاصرة السفارة الأمريكية في بغداد وفي الثالث من كانون الثاني قتل الجنرال قاسم سليماني وعدد من رفاقه في قصف أمريكي على طريق مطار بغداد.
البنتاغون يزعم أنه استعاد “مستوى من الردع” بمواجهة إيران، لكن تبين أن الحقيقة مختلفة تماما، وهي مثلما تقول الدعاية الإيرانية فمقتل الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري “أخطر بكثير من بقائه حيا”. فقد أسندت قيادة “فيلق القدس” لرجل أثبت حنكته وجدارته خلفا للجنرال سليماني “مهندس السياسة التوسعية”، هذا الأخير الذي أسكتت عملية اغتياله على يد “الشيطان الأكبر” العديد من الأصوات المعارضة داخل إيران والعراق على حد سواء.
من جهة ثانية، فبالرغم من عدم انهاء الاحتجاجات في إيران، الا أن التحالف الإيراني العراقي بات متينا خلال هذا الصراع، وهو ما يقوّي الحكم في إيران ويعتبر بالفعل إنجازا لقيادة “الخامنئي”، وذلك بعد تصويت البرلمان العراقي في معظمه على مشروع قرار طرد القوات الأمريكية من العراق في 5 كانون الأول الجاري، اما بالنسبة للضربة الإيرانية في 8 كانون الأول، فهي قد استهدفت قاعدة في كردستان العراق والتي يخطط البنتاغون أيضا للانسحاب منها في حال تفاقم الوضع هناك أيضا.
غياب استراتيجية أمريكية
في العراق يتواجد 5 الاف جندي أمريكي حاليا فقط، وهم بالأحرى 5 الاف رهينة في حال وقوع أي مواجهة جديدة مع إيران، والولايات المتحدة لا تتحرك الا لرد الهجمات منذ فترة طويلة، مثل ردودها على مقتل المتعهد الأمريكي أو حصار السفارة، وهي بذلك تثبت للعالم أنها تفتقد كليا لرؤية استراتيجية واضحة.
هذا الغياب الفادح للاستراتيجية ليس جديدا، فالولايات المتحدة قد تخلت منذ وقت طويل عن اعتبار الملف العراقي، لاعبا أو قضية في حدا ذاتها، ففي 2003 اجتاح الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن العراق، في احتمال محبط لتأسيس “الشرق الأوسط الكبير”، وفي 2014 أطلق الرئيس السابق باراك أوباما ما يسمى بـ”قوات التحالف” ضد تنظيم “داعش” الإرهابي، وخلاله قدم البنتاغون “حماية أو غطاء جويا” للعراق، “استفاد” منه الجنرال سليماني شبكته!
بالنسبة للرئيس الحالي دونالد ترامب، فهو لا يرى في العراق سوى ساحة للمواجهة مع إيران، موجها تهديداته ضد بغداد والتي ستؤدي الى نتائج عكسية كليا!!
هنا يجب الإشارة إلى أن إيران وبعكس الولايات المتحدة الأمريكية، وضعت استراتيجية متكاملة طويلة الأمد في العراق، وقد أتت بثمارها سريعا خاصة مع تهميش دور القوات الأمريكية في انتظار انسحابها بشكل كامل من البلاد، صحيح لن يكون هناك طائرات هيلوكوبتر هاربة كما حدث في سايغون عام 1975 لكن الاذلال لن يكون أقل قسوة، ولكن التباين الأكثر اثارة للصدمة هو جولة الرئيس الروسي فلادمير بوتين في دمشق والاجتماع بالرئيس بشار الأسد في مقر قيادة تجميع القوات الروسية بالعاصمة السورية، وذلك يوما واحدا قبل القصف الإيراني للقاعدتين الأمريكيتين في العراق!
يستمر زورق البيت الأبيض الأمريكي المخمور بتجشؤ تغريداته، بينما خسرت الولايات المتحدة فعلا حرب الاثني عشر يوما في العراق ضد إيران.
البعث ميديا – صحيفة “لوموند” الفرنسية
ترجمة: سلوى حفظ الله
رابط المقال الاصلي 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *