عيد الشهداء .. يومٌ للكرامة العربية

مهما قيل من كلام في معاني الشهادة فلن يصل القائل إلى مستوى القيمة المعنوية والفكرية للشهادة، فالشهيد هو الإنسان الذي نذر نفسه ودمه في خدمة قضية عادلة تستحق التضحية حتى بالروح، وقد أثبتت الأحداث التاريخية للمنطقة العربية بشكل عام وسورية بشكل خاص بأنها كانت ولم تزل وستبقى محط أطماع الدول الاستعمارية التقليدية على مدى التاريخ، وهي تتعرض لاستهداف دائم من قبل قوى الشر في العالم لما حباها الله من ثروات طبيعية وموقع جغرافي يتوسط قارات العالم الثلاث.

لذلك كانت الغزوات والحروب على المنطقة متلاحقة، وكانت قوة الإرادة والتسلح بالشهادة الوسيلة الوحيدة عند الإنسان العربي المخلص لوطنه لتحقيق النصر على الغزاة وحماية الوطن، وهذا الشعار تمثل في أبهى صورة في حرب تشرين التحريرية التي قادها الرئيس حافظ الأسد ” طيب الله ثراه ” عندما طرح شعار “الشهادة أو النصر” كقائد عام للجيش والقوات المسلحة، لذلك كانت الشهادة عامل ردع ورعب في وجه الأعداء الطامعين بأرضنا، والسبيل الناجح في الدفاع عن الوطن وحماية المجتمع ممن تخول له نفسه النيل من سيادة الوطن ووحدة ترابه وشعبه واستقراره.

أخذت الشهادة بعداً إنسانياً وأخلاقياً عند العرب الأحرار منذ بدء التاريخ، ولم يكن شهداء السادس من أيار الأبطال من سورية فقط، بل كذلك من فلسطين ولبنان، وكان أحدهم الأمير عمر حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، فأصبحت المناسبة بحق يوماً قومياً للشهادة والشهداء.

ثم تلاحقت بعد ذلك قوافل الشهداء الذين نستذكر منهم الشهيد يوسف العظمة وزير الدفاع الذي استشهد في مواجهة الحملة الفرنسية في روابي ميسلون عام 1920، وعلى الرغم من قناعته بأن المعركة لم تكن متكافئة وكان يعرف نتيجتها سلفاً، لكن إحساسه الوطني العالي والواجب المقدس تطلبا مقاومة المحتل حتى آخر نقطة دم في عروقه ورفاقه دفاعاً عن الوطن وترابه الطاهر.

ونحن نحيي ذكرى يوم الشهداء الكرام في هذا اليوم العظيم لا بد لنا وأن نقف بخشوع أمام أرواح الشهداء الذين يُقدمون أرواحهم يومياً فداءً عن الكرامة الوطنية في معركة الشرف الكبرى التي اعترف العدو قبل الصديق بأنها من أشرس المعارك التي تتعرض لها بلدٌ من بلدان العالم في العصر الحديث، حيث يواجه فيها الجيش العربي السوري الباسل والقوات الرديفة كل قوى الإرهاب والغدر في العالم مجتمعة تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية والدول الاستعمارية الغربية ليس من اجل إسقاط الدولة الوطنية في سورية بكل مقوماتها الرسمية والشعبية فحسب، بل من أجل ضرب الفكر القومي العربي في معقله دمشق التي وصفها القائد العربي الراحل جمال عبد الناصر بـ” قلب العروبة النابض “، وكذلك من أجل إنهاء حالة الاستقلال الحقيقي الوحيدة التي تعيشها سورية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

إن الصمود الأسطوري للشعب العربي في سورية ووقوفه بعزم خلف جيشه الوطني الباسل وقائده الشجاع السيد الرئيس بشار الأسد ربان السفينة وحامل راية المجد الخفاقة، جعل الشهادة رغبة عند جنودنا الأبطال من أجل تحقيق النصر المظفر وحماية الوطن من غدر القريب والبعيد، وقد سمعنا قصصاً عن بطولات فردية وجماعية يعتز بها التاريخ الوطني.

الحديث حول الملاحم التي يُسطرها الشهداء الأبطال في المعارك قبل استشهادهم، وإن استشهادهم جاء نتيجة لإقدامهم وشجاعتهم في المعركة للذود عن الوطن وترابه الطاهر، وأما القصص الأكثر فخراً وشموخاً فهي قصص أولئك الأهل الذين استقبلوا قدوم أبنائهم شهداء بالحمد والعزة ورفعة الرأس عالياً برجالٍ كانوا الأمل لمستقبل سعيد عند الأهل، وعندما احتاجهم الوطن قدموهم عربون انتماء وقرباناً عظيماً ليكون الوطن محصن ومنيع وعندما جاؤوهم ملفوفين بعلم الوطن استقبلوهم بالزغاريد والأهازيج الوطنية، وكانت السيمفونية الموحدة عند جميع أسر الشهداء بأن ابننا ذهب شهيداً فداء الوطن ونحن على استعداد لتقديم الثاني والثالث والرابع وإن تطلب الأمر فالأب والأم جاهزين للشهادة فداء سورية لأن سورية تستحق.

إن هذا الشعور النبيل المتسامي يُعبر عن وعي شعبي عالي المسؤولية تجاه المعركة المصيرية التي يتعرض لها الوطن، وإن شعباً يمتلك تلك الإرادة وهذا التصميم على الحياة الكريمة الحرة، لا يُمكن لقوة في العالم أن تهزمه أو تنال من استقلاله ووحدة ترابه، ومهما جمع الأعداء من إرهابيين من كل بقاع العالم ومهما قدموا لهم من سلاح ومال وإعلام مفبرك وكاذب، لن يتمكنوا من ثنيه عن مواصلة النضال لحفظ مكانة وكرامة الأمة وهنا نؤكد من جديد بأن الشهداء الذين يرتقون في معارك اليوم في مواجهة الإرهاب الدولي العابر للحدود لا يختلفون بالمطلق عن شهداء الأمس الذين رووا بدمائهم الطاهرة تراب الوطن العربي من الشيخ عز الدين القسّام الذي خرج من مدينة جبلة ليُقضي واجبه بالقرب من جنين في فلسطين المحتلة عام 1935 إلى سعيد العاص الذي ثار ضد المحتل الفرنسي وكان من قادة ثورة 1936 في فلسطين حيث نال وسام الشهادة.

وإن المعركة التي تخوضها سورية اليوم هي معركة وجود العرب من المحيط إلى الخليج، لا بل إنها المعركة المصيرية على مستوى العالم بين الخير والشر، لأنه لو سقطت سورية “لا سمح الله بذلك” لسقط العرب في مستنقع الاحتلال والتبعية إلى يوم يُبعثون وامتدت يد الإرهاب إلى كل بقاع العالم، ولكن سورية التي قدمت الشهداء دفاعاً عن استقلال العرب وكرامتهم في الماضي وحققت انتصارات كبيرة على المحتل في لبنان وفلسطين، ستنتصر اليوم على المشروع الاستعماري الجديد وستُعلن للعرب قبل غيرهم بأن الأوطان تُصان بدماء أبنائها الشرفاء، وإن انتصار سورية اليوم على الإرهاب سينقذ العرب والعروبة من الاندثار والضياع في حانات الحضارة الكاذبة والوهمية التي يغويهم بها الغرب الاستعماري وها هي ليبيا عنوان!

ونحن نحيي عيد الشهداء، لا بدَّ لنا وأن نؤدي القسم بأن دماء هؤلاء الأبطال لن تذهب سداً وإننا على طريقهم وعلى القيم النبيلة التي استشهدوا لأجلها لثائرون ومصممين على تحقيق أمانيهم في النصر المبين.

محمد عبد الكريم مصطفى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *