الهجرة … ربح وخسارة

الهجرة ظاهرة موجودة منذ زمن ولم تكن محصورة في سنوات معينة أو في بلاد معينة، لكن ربما تباينت بين فترة وأخرى، إلا أن الدول التي كانت مستعدة لاستقبال المهاجرين من كل أصقاع الأرض عززت فكرة الهجرة بوسائل متعددة، فهناك دول أنعشت حقاً بسبب المهاجرين الوافدين إليها بحكم ما كان ينقصها من أيدي عاملة وخبرات، وبعد استقبالها المهاجرين من فئة الشباب حصراً بدأت بالتطور، وهؤلاء هم نفسهم كانوا خسارة حقيقية لبلادهم.

كثيرون أيضاً لم يحالفهم الحظ في هجرتهم، منهم من لقي حتفه قبل الوصول إذ انه اختار الطرق غير الشرعية للهجرة، ومنهم من عاش حياة لا كرامة فيها وتعب وشقي ولم ينفعه شيء.

ظروف الحياة تفرض أحيانا الهجرة إلى خارج البلاد على البعض، وهي تحمل في ثناياها إيجابيات وسلبيات، إيجابيتها تصب في أن المهاجر ربما يتمكن من تحقيق النجاح الموعود، والحصول على حياة أفضل من الناحية الاقتصادية والعلمية والمعيشية، وتعلم لغة جديدة وثقافة جديدة يتبادلها بين الدول، مضافاً إليها رصيد جيد من الأصدقاء فيتحول إلى شخص فعال.

لكن الشعور بالغربة والبعد عن الوطن ليس هيناً أبداً خاصة أنها تساهم جداً في تشتيت الأسرة، ومعظم المهاجرين يشعرون بفقدان الهوية، إذا كانت البلدان المهاجر إليها بعيدة كل البعد عن الثقافة والتقاليد التي تربى عليها.
أما الهجرة غير الشرعية فهي عالم آخر وأودت بحياة الكثيرين، وأفقدتهم الكثير من الأموال، بسبب انتشار اللصوص والعصابات المنظمة، التي سادت في العديد من بلاد العالم، لتتاجر بالبشر وتسرقهم وتسرق أعضائهم البشرية أحياناً، عدا عن استقبال معظم البلدان لهم بالاعتقال والحبس والإهانة والترحيل.

وفي سورية كانت للهجرة قصة متشعبة، حملت في تفاصيلها آثاراً سلبية كبيرة، فالحرب جزأت أحلام الشباب، قسم اختار أن يبقى ويدافع عن بلده إيماناً منه أن الوطن أغلى ما لدينا، وقسم لم يكتف أن شارك بالأعمال الإرهابية فقط، بل تعاقد مع الشيطان لجلب أكبر عدد ممكن من الإرهابيين لتدمير سورية، وقسم تابع حلمه دون الالتفات إلى الوراء وغرد خارج الحدود، ووقع في فخ الهجرة غير الشرعية أخطر أنواع الهجرة، والمناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة نتيجة استحكام سيطرة الإرهابيين عليها كانت أكثر عرضة للتورط بهذا النوع من الهجرة، وفقدت الكثير من أبنائها اللذين فروا من قبضة الارهاب، فقد سلبهم أعزائهم وبيوتهم وأموالهم وأحلامهم، ووضعتهم أمام الخيار الصعب إما الإرهاب أو الهروب فاختار كثيرون الهروب.

مرت أعوام وصمت الموت يغطي سورية، ومع العام 2019 انقلبت الموازين، وزاد عدد المناطق المحررة واحدة تلو الأخرى، وبقي أعداء الداخل والخارج متربصين، لنمر بأزمة جديدة بعد انتشار فيروس كورونا الذي أضنى كل العالم، وجعلت معظم الدول تفكر بإعادة العديد من المهاجرين إلى بلدانهم بسبب خروج الأمور عن السيطرة.

ورغم مصلحة الدول المتقدمة باستقبال أكبر عدد ممكن من المهاجرين الشباب، بعد أن زادت العولمة من حركة العمالة وتراجعت الخصوبة وأعداد السكان في سن العمل، مما أجبرهم على طلب العمالة من الخارج لضمان استمرارية عالمهم الاقتصادي، إلا أن الوقائع دوماً تتغير وتبقى مصالح الدول التي ترفع شعارات السلام وحقوق الإنسان فوق كل الاعتبارات الإنسانية.

سورية الآن ما زالت تنفض عنها غبار الحرب، ومازال أعدائها يحاولون تخريبها من الداخل والخارج لكنها بحاجة لسكانها ولتجارها ولأطبائها ولكل مواطن سوري فيها، فالشعور بالاغتراب ليس بالأمر السهل، وكثير من المهاجرين اختاروا العودة إلى وطنهم بعد أن اكتشفوا أنه ملاذهم الوحيد، وعودة أكثرهم تصب في مصلحة البلاد، بعد أن أفقدتنا الحرب الكثير.

قرار الهجرة يجب أن يبنى على قواعد سليمة، ويعود بفائدة على البلاد المهاجر منها، امتناناً للوطن الذي تربى فيه، وضماناً لخط الرجوع  في أي لحظة.

البعث ميديا ll ريم حسن

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *