اخترنا لكالشريط الاخباري

حول اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية: كيف نناهض التطبيع مع مطبعين؟ وكيف نقاوم بمعية دعاة تسوية مع العدو الصهيوني؟

 

لعل أحد أكبر مآسي القضية الفلسطينية أن الاحتلال الصهيوني ورعاته الغربيين لم يسرقوا الأرض ويشردوا الشعب ويفرضوا وصمة الإرهاب على المقاومين فحسب، بل أنهم تمكنوا من اختراق الأطر ومفردات الخطاب المناهض للصهيونية فلسطينياً وعربياً ودولياً ليصبح “مطلب التعايش” مع الاحتلال، في “دولة واحدة” أو “دولتين لشعبين” أو “كونفدرالية ثلاثية”، تياراً عاماً يلوث قسمات القضية الفلسطينية سياسياً وثقافياً وإعلامياً، وحتى فصائلياً.

 

“التعايش” مع الاحتلال، بأي صيغة، لم يسبق أن شكّل برنامجاً لأي حركة تحرر في العالم، لأنه يُخرِج من يتبنونه من إطار مشروع التحرير إلى مشاريع التسوية، فعلاج الاحتلال هو التحرير، وإن تعذر ذلك، فالمقاومة لرفع كلفة الاحتلال، وعلى رأسها المقاومة المسلحة والاستشهادية، وإبان ذلك كله لا بد من التركيز على عروبة فلسطين مقابل مشاريع تهويدها، أما طروحات مثل “الدويلة” على جزء من فلسطين، أو مثل “نيل حقوق متساوية مع المحتلين” (عبر الكنيست وهراء النضال العربي-اليهودي المشترك؟!)، أو مثل “التطبيع العربي والإسلامي الشامل” مقابل “دويلة فلسطينية”، كما تنص “المبادرة العربية” التي داسها العدو الصهيوني كما داستها عملياً الأنظمة العربية التي روجت لها، أو مثل تخاريف “المحتلين التقدميين” في الكيان الصهيوني، إلخ… فلا علاقة لها بأي مشروع تحرير من قريب أو بعيد، بل تدخل في تصنيف بهلونيات التسويات “السلمية” مع العدو المحتل.

 

إن كل تلك الطروحات تسهم بمجموعها، وبالزخم الممنوح لها إعلامياً، في تخفيض السقف الوطني الفلسطيني بذريعة “التكتيك” و”فن الممكن”، وقد ثبت بعد عقود من ممارسة “التكتيك” التسووي أو المرحلي، أو سمه ما شئت، أن التكتيك كان علينا، أي على الشعب العربي الفلسطيني وعلى الأمة العربية، لتمرير الأجندة التسووية وجعلها تبدو “مشروعاً نضالياً” وجعلها تياراً شعبياً، أما على صعيد ما زعم أصحاب ذلك “التكتيك” أنه يحققه من مكاسب للنضال الوطني الفلسطيني فقد ثبت فشله الذريع سياسياً، وأن النهج التسووي فلسطينياً وعربياً ودولياً يساعد الكيان الصهيوني على التمدد والتهويد وإقامة أوسع العلاقات والاختراقات، وأن المقاومة وحدها والتمسك بعروبة الأرض كاملة هو ما يعصمنا من الانهيار، وأن المقاومة وحدها هي ما يحقق المكاسب السياسية، حتى لو لم نتمكن من تحقيق التحرير هنا والآن.

 

لقد ثبُت أيضاً أن نهج التسوية في الساحة الفلسطينية هو أساس الانقسام والصدع الذي يدعو الجميع لرأبه، فالمقاومة توحِّد، ومشاريع التسوية مع العدو الصهيوني هي التي تفرِّق، والسؤال الأول الذي يفترض أن يطرح عند الحديث عن وحدة وطنية فلسطينية هو: وحدة على أساس أي برنامج؟ وبقيادة من؟

 

فإن لم يكن البرنامج برنامج تحرير، إي إذا كان البرنامج هو برنامج “دويلة” على حدود الـ67، كيف تكون الوحدة وطنية أصلاً؟! وإذا كانت أداة النضال هي “المقاومة الشعبية”، التي رأى البيان الختامي للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية أنها “الأنسب” في هذه المرحلة، بما يفيد معنى استبعد خيار العمل العسكري، وإخراج من يمارسه من “خيمة الوحدة”، كيف تكون الوحدة المطروحة وحدة مقاومة؟! وكيف يؤتمن من يمارسون التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني (إلى هذه اللحظة) حتى على عمل مقاوم سلمي مع العلم أن السلطة الفلسطينية أكبر عائق أمام العمل المقاوم في الضفة الغربية، حتى غير المسلح منه؟!

 

الحمدلله على نعمة خلاف السلطة الفلسطينية مع الدحلان التي جعلتها ترفض الاتفاق الإماراتي مع العدو الصهيوني، بعد أن أسهمت اتفاقية أوسلو بالسماح للكيان الصهيوني بإقامة العلاقات مع عشرات الدول التي كانت تقاطعه قبلها..

 

الحمدلله على نعمة اليمين الصهيوني المتطرف والديني الذي يتبنى مشاريع الضم والتهويد في القدس والغور والضفة والذي يصر على “يهودية إسرائيل” وعلى استراتيجية “التطبيع مقابل لا شيء” لكي يكشف عورات كل مشاريع “السلام” مع الكيان.. وبعد ذلك كله يأتي من يقول لك: “دولة في حدود الـ67”! أهلاً، أهلاً..

 

الحمدلله على نعمة تهافت الأنظمة العربية التي لم تتمسك حتى بشروط ما يسمى “مبادرة السلام العربية” لكي تكشف مجدداً القانون الأساسي الذي يحكم حركة نهج التسوية مع العدو الصهيوني والذي تؤكد التجربة التاريخية المعاصرة على صحته يوماً بعد يوم: كل تنازل مبدئي إزاء العدو الصهيوني، يقود إلى تنازلات أخرى، أوسع وأعمق، وكل طرح تسووي يستجر طرحاً تسووياً أدنى سقفاً.

 

لا نزايد على أحد، وما من شكٍ في أن كل التنظيمات الفلسطينية من دون استثناء تضم عناصر وكوادر قدمت سنينها وراحتها الفردية ودمها، وحياتها أحياناً، في النضال الوطني الفلسطيني، ولكن لكي لا تضيع كل تلك النضالات والتضحيات والخبرات هباءً من حقنا وواجبنا أن نحاكم نهج التسوية مع العدو الصهيوني ومن روجوا له وقادوه سياسياً بعد أن أوصلنا إلى ما وصلنا إليه.. لكن التنظيمات لا تُقيّم بالنوايا الوطنية والنضالية لعناصرها وكوادرها التي لا نشكك فيها، إنما تُقيّم بـ: أ – قياداتها، وب – خطها السياسي العام.

 

إن برنامج الإجماع الوطني الوحيد في التاريخ المعاصر للشعب العربي الفلسطيني هو الميثاق الوطني الفلسطيني غير المعدل (لا “وثيقة الوفاق الوطني” المزعومة ذات التوجه التسووي أيضاً)، والميثاق هو برنامج من أهم بنوده أن: أ – فلسطين عربية من البحر إلى النهر، ب – تحرير فلسطين تحكمه استراتيجية الكفاح المسلح، ج – اليهود الذي أتوا إلى فلسطين بعد بدء الغزو الصهيوني لا يعدون فلسطينيين (والغزو الصهيوني المكثف لفلسطين بدأ في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وكانوا قبلها 7 آلاف فحسب!).

 

لقد ثبت أن مسيرة الانقسامات في الساحة الفلسطينية يتحمل مسؤوليتها الانحراف عن الميثاق الوطني الفلسطيني غير المعدل وبنوده، ومنها البنود التي ترفض قرار تقسيم فلسطين عام 1947، ووعد بلفور عام 1917، أي الأساس “القانوني” المزعوم الذي قام عليه الكيان الصهيوني، ومنها البند 21 من الميثاق الذي يقول إن “الشعب العربي الفلسطيني، معبراً عن ذاته بالثورة الفلسطينية المسلحة، يرفض كل الحلول البديلة عن تحرير فلسطين تحريراً كاملاً ..”.

 

هذا هو ميثاق منظمة التحرير، ومن دونه فإنها لا تعود منظمة، ولا تحرير، ولا من يحزنون..

 

إن الوحدة التي لا تتجسد بالعمل المقاوم بكل أشكاله، وعلى رأسه العمل المسلح، لا قيمة لها على الإطلاق، إن لم نقل إنها تدفع باتجاه انزياحٍ جديدٍ نحو النهج التسووي، تحت قيادة “نظام سياسي واحد”، كما نص البيان الختامي لاجتماع الأمناء العامين للفصائل، وليس هذا النظام في الواقع سوى السلطة الفلسطينية (لا منظمة التحرير الفلسطينية)، التي تشكل اتفاقية أوسلو أساسها “القانوني”، والتي لم يأت البيان على ذكرها بالرغم من كل ما جرى ويجري.. مع الاحترام لتحفظ الإخوة في ح ر ك ة ال ج ه اد على البند المتعلق بالدويلة في حدود الـ67 في البيان الختامي.

 

السياسة هي “فن الممكن” لا “فن التفريط”، واسمحوا لنا أن نقول إن لقاء الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية أملته سياسياً عوامل ظرفية تتعلق بتزايد دور الدحلان ومغالاة اليمين الصهيوني ورفضه للتسوية أصلاً، ودعم الإدارة الأمريكية لذلك اليمين ولطروحاته السياسية من خلال “صفقة القرن”، مما أدخل كل التيارات التسووية في الحائط.. وهذا جميلٌ جداً بالطبع، ولكنه يفترض أن يدفعنا للتخلي عن نهج التسوية لا للتمسك بنهج ثبت فشله وورّط من تبنوه بالتطبيع!

 

من شاركوا في لقاء قادة الفصائل بعضهم غارق في التطبيع حتى أذنيه، وبعضهم لا يريد أن يبدو كأنه “ضد الوحدة الوطنية”، وهو غير موافق على الكثير أو على بعض ما ورد في البيان الختامي، وبعضهم يتمنى لو تم الاعتراف به طرفاً على مائدة الحلول التسووية، وبعضهم سعيد بالمناسبة إعلامياً لأنه تم الاعتراف به طرفاً أو “لاعباً” فلسطينياً أصلاً، وهو لا يمتلك في تنظيمه حمولة حافلة صغيرة من الأعضاء، وبعضهم دوره أن لا يطبع، وأن لا يقاوم، إنما أن يدفع القاطرة الفلسطينية منهجياً باتجاه مسارات سياسية تسووية، وهذا البعض هو الأكثر خطورةً في الواقع.

 

نقطة أخيرة، القول إن عوامل ظرفية دفعت لعقد هذا اللقاء، وإن تغير الظرف السياسي في الكيان الصهيوني أو الولايات المتحدة كان يمكن أن يدفع لعدم عقده بالتالي، لا يعني أن اللقاء كان بلا فائدة لنهج التسوية مع العدو الصهيوني، إذ أن أخطر ما فيه هو ربط العمل المقاوم، حتى ببعده الشعبي، بمرجعية رسمية فلسطينية، أي سلطوية، تحت عنوان “وحدوي”، وهذا يشبه تماماً الدعوة لربط القرار المقاوم في لبنان بمرجعية رسمية لبنانية تضم مناهضين لنهج المقاومة، والباقي عندكم..

 

في الخلاصة، لا يمكن لشعب أن يتبنى نهجاً تسووياً مع المحتل الغاصب، لأن هذا مسار الانتحار السياسي، فالرهان دوماً على روح الشعب وقواه الحية، من داخل الفصائل وخارجها، والشعب الفلسطيني أثبت تاريخياً أنه الرقم الصعب الذي يتحطم كل رهان تسووي على صخرته، فالتسوية زبد يذهب جفاء، أما المقاومة والتحرير فيمكثان في الأرض، وهذه الأرض عربية.

 

إبراهيم علوش