الإباحية.. خطر داهم كيف نتفاداه؟

مع اتساع فضاءاتنا الإلكترونية، تعايش مجتمعنا الشرقي مع بعض جوانبها ورفضها بتزمّت في نواح أخرى، لكن شئنا أم أبينا هو واقع مستشر لدى الكثير من الشباب المراهق ومن كلا الجنسين على حد سواء، هي ظاهرة مشاهدة الأفلام الإباحية والمقاطع الخلاعية التي غزت مواقع الانترنت بلا رقيب ولا حسيب يمكن الركون إليه وخاصة مع جو العزلة التي فرضتها جائحة كورونا، لتتخذ المشكلة بعدا جديدا.

وللتعرف على ظاهرة إدمان الأفلام الإباحية وأسبابها، وطرق الحدّ من تفشيها كظاهرة مرضية وحول تأثيرها النفسي والجسدي على الفرد والمجتمع كان “للبعث ميديا” حوار خاص مع الأخصائية النفسية “سلام قاسم”

التي قالت: إن الأجهزة الذكية تسمح بتخزين وعرض الأفلام بكميات أكبر من أي وقت مضى مع عدم وجود أدلة مادية واضحة على استخدام تلك المواد الإباحية، حيث كشفت عدة دراسات أن معدلات الاستهلاك الدولية للإباحية زادت بنسبة كبيرة بين الرجال والنساء على حد سواء، لذا ظهر تأثير الأفلام الإباحية على صحة الإنسان مؤخرا بشكل متصاعد.

أسباب المشاهدة؟

ثمة الكثير من الأسباب الرئيسية التي تدفع بالبعض لمشاهدة أفلام التعري، ولكن بغض النظر عن هذه الأسباب يجب أن نعي أن للأفلام أثر سيئ على مشاهديها والنتيجة المترتبة عليها لا تستحق عناء مشاهدتها لأي سبب كان.

وتتجلى دوافع المشاهدة في الرغبة بالتعلم بالنسبة للمراهقين وصغار السن، وبعضها بدافع الهروب من شعور الوحدة ليجدوا ملاذهم بالأفلام الإباحية التي لا تعد حلا، ولكنها وسيلة إلهاء رخيصة، إذ يرى علماء النفس أنه كلما زادت مشاهدة المرء للمواد الإباحية أصبح أكثر عزلة، ولا ننسى الملل ورفاق السوء والتسلية ووقت الفراغ.

طرق العلاج

من الطرق المتبعة في العلاج بحسب قاسم: الاعتراف بوجود الإدمان: فحتى يتمكن الشخص من مساعدة نفسه للتخلص من تعلقه الشديد بشيء ما، عليه بداية أن يعترف بوجود المشكلة وذلك للبحث في أسبابها وتسهيل علاجها.

ومن طرق العلاج أيضا التعرّف على خطورة إدمان تلك الأفلام وإدراك أن مشاهدتها أمر خاطئ: على الشخص أن يدرك حجم الإشكالية التي يعاني منها، وأن يعي بأن ما يفعله خاطئ دون اللجوء للمبررات، وذلك لتعزيز رغبته بالتخلص من الإدمان عليها، وطبعا في الحالات الحادة ينبغي على المريض زيارة الطبيب النفسي.

ولمّا كان لمشاهدة الأفلام الإباحية من عظيم الخطر على مجتمعنا وشبابنا على وجه الخصوص خاصة بعد سنين طويلة من الأحداث وما فرضته من أخلاقيات سلبية أحيانا، توجهنا بحديثنا للطبيب النفسي “أحمد تاجي”

الذي اعتبر الاعتماد «الإدمان» على وسائل التواصل واستعمال الشاشات من الأشياء التي تؤثر علينا جسديا ونفسيا، ولكي نقول أن شخصا لديه إدمان، ينبغي أن يكون لديه سلوك متكرر ومستمر لاستعمال جواله بهدف مشاهدة المقاطع الإباحية، وهذا الأمر غالبا ما يؤدي لإحباط وضعف سريري، ومن الأعراض الأخرى أنه يحتاج دائما لزيادة وقت تعرّضه للأفلام الإباحية، ومن الأشياء المهمة التي تظهر أن يكون عصبيا في حال حاولَ إيقاف مشاهدته الإباحية أو الامتناع عنها، فدائما هناك محاولات متكررة وغير ناجحة ليوقف مشاهدتها ولكن بلا جدوى، ويستمر بمشاهدة الإباحية رغم علمه بمشاكلها الكثيرة التي بدأت تظهر سواء كانت عضوية أو جسدية أو نفسية.

ويضيف د. تاجي من الملاحظات الأخرى المتعلقة بهذه المسألة هي انشغاله الدائم بحضور مقاطع الإباحية، فهو يشاهدها مثلا حينما يشعر بالإحباط، ويمكن أن يستيقظ من النوم فجأة ليحضرها، بعد فترة يبدأ بالكذب على محيطه ليتسنى له الخلو بنفسه لساعات بغية مشاهدتها، وفي حال انقطعت شبكة الانترنت يشعر بالتوتر والقلق، ومن التبعات الأخرى أنه يبدأ بفقدان علاقاته مع الآخرين، ناهيك عن فقدان عمله أو تقصيره بدراسته أو تعليمه، كما يقوم باستبدال السلوكيات اليومية مثل الرياضة أو الموسيقا بحضور المقاطع الخلاعية، ولا يتوقف الأمر عند هذه الحد بل يبدأ بالتخلف عن علاقاته مع أهله.

ما هو الإدمان؟

الإدمان كفكره هو تنشيط نظام المكافأة بالدماغ والذي يشارك بتعزيز السلوكيات وإنتاج الذكريات، وهو يدفع الشخص لتعزيز سبل المكافأة المباشرة “بمعنى أنه يحصل على مكافأته جاهزة” بدل أن يتعزز لديه نظام المكافأة من خلال السلوكيات التكيفية كالأشخاص الطبيعيين، كما يشرح د. تاجي.

فالشخص الطبيعي لديه أولويات كالدراسة والصحة والعمل وآخر أولوياته حضور الأفلام الإباحية، على نقيض الشخص المدمن الذي يشاهد الأفلام الإباحية لساعات طويلة ويعتبرها من أولوياته الأساسية قبل أي أمر آخر.

صفات المدمنين

الناس المدمنون لديهم شخصية إدمانية وفق ما يسميها د. تاجي، من سماتها عدم الإحساس بالأمان الاجتماعي والضعف بمواجهة الآخرين، وهو شخص منقاد لا يعرف أن يقول لا، شخص لديه صعوبة بإنشاء الصداقات مع الجنس الآخر، يتأثر بالمحيط ولديه صورة سلبيه لذاته، وإحساس بعدم الكفاءة، ويعتريه شعور بأن شكله غير مناسب، ويلعب دورا غير دوره حتى لو كان ناجحا في كثير من الأصعدة، وهو شخص يميل للخيال وأحلام اليقظة ورفض الواقع، ولديه إحساس بعدم الراحة بالمنزل مع الأهل ودائما يضع الحجج حتى ينفي مسؤوليته عن الشيء الذي يحدث معه.

 كيف يبدأ الإدمان؟

في معظم الحالات يبدأ الإدمان على صعيد التجربة أو ضمن حفلة أصدقاء مثلا، على حد تعبير د. تاجي، فيبدأ الشخص يشعر بأن كل القيود انكسرت وبدأت تتحسن قدراته فيحاول محادثة الجنس الآخر، يبدأ ينظر لهم نظرة مختلفة، تبدأ لديه ثقة مزيفة، في هذه المرحلة لا ينتبه الأهل للموضوع أبدا لأن هذا الشخص يكون جيدا بدراسته إذا كان طفلا أو بحياته العملية إن كان كبيرا دون أي مشاكل، لكن يبدأ الطور التالي بفقدان السيطرة الداخلية أي يبدأ الشخص بالشعور بأنه يفعل شيئا خاطئا ليبدأ الصراع بين أخلاقياته وبين الممارسات التي يقوم بها من حضور الإباحية لساعات طويلة، فيبدأ يشعر بأنه يذهب باتجاه أشياء سيئة ونحو مستقبل سيىء وعلى الرغم من ذلك يبدأ بالكذب ليحصل على مزيد من الوقت لحضور الأفلام، تليها المرحلة الخطيرة التي هي مرحلة الإنكار حين يبدأ الصراع النفسي بالتلاشي فيبدأ الشخص بتهميش كل نشاطاته بهدف حضور هذه الأفلام ويزيد الإدمان لديه بهدف الوصول إلى مرحلة النشوة التي ينشدها، فتغدو حياته رهينة الأفلام الإباحية ويبدأ يدافع أمام الناس عن قضية خاسرة ويضع اللوم على حياته وعلى أهله وعلى محيطه، وهنا يشعر من حوله بأن لديه مشكلة حقيقية.

ملاحظات في العيادة

نحن نعلم أن التشابكات الدماغية تعطينا السلوكيات المعتادة فمثلا “هناك عادة بأن نشرب القهوة كل صباح وفي حال لم نشربها يتعكّر يومنا، أو إذا لم نرتد الثوب الفلاني يكون يومنا ليس جميلاً”، لدينا سلوكيات محدده تتطور في دماغنا وتأخذ مكانها، فالناس الذين يشاهدون الإباحية بشكل عام وهو ما ألاحظه في عيادتي “والكلام للطبيب أحمد تاجي”  أن الأمر يتطور لديهم بعد فترة لحضور أفلام إباحية شاذة وهذا الموضوع يؤدي لتطور رغبات جنسية شاذة لديهم، في حال كانوا متزوجين فيمكن أن تؤثر على علاقتهم الزوجية كثيرا، وإذا كانوا غير متزوجين فيمكن أن تؤثر على حياتهم بشكل عام، وهذه الرغبات تدفعهم لحضور أفلام إباحية تعطيهم أفكارا عن مواضيع اعتداءات جنسية أو اغتصاب وهذا بدوره قد يؤدي بهم إلى الجريمة أو لأمور سيئة للغاية.

العلاج سلوكي معرفي

أهم خطوه في العلاج بحسب الطبيب هي أن يطلب الشخص المساعدة التي تعتبر البداية الصحيحة، لأن هذا النوع من العلاجات لا يتم بشكل إجباري كون المدمن لا يشكل بداية الأمر خطرا على الآخرين، ويصبح العلاج  لزاما حينما تصدر عنه سلوكيات سيئة.

فالعلاج ليس دوائيا بل عند المعالجين النفسيين من خلال تعليمهم المدمن مهارات التعامل مع المجتمع وكيفية التعاطي مع ردود أفعاله، وسبل إنشاء صداقات، وطلب المساعدة من الآخرين، وكيفية تعرفه على مشاعره، وتعليمه مهارات التعامل مع النفس من خلال تعرفه على مشاعره عبر السيطرة على الخوف والانفعالات، كما ينبغي أن يتعلموا مهارات التعامل مع الضغوط، وتنمية الروح الرياضية لديهم، وأسلوب التعامل مع الفشل ووضع الأهداف، وفي النهاية هذه الأفكار بمجملها تؤدي لخلق سلوك معين ومن المهم كثيرا أن نقطع الحبل بين الفكرة والسلوك حتى نجد الحلول المنشودة.

متى نتوجه للطبيب؟

في حال ظهور المشاكل النفسية كالقلق والاكتئاب أو الانعزالية الشديدة أو أفكار حول إيذاء الذات أو إيذاء الآخرين نتوجه للطبيب لأخذ الأدوية اللازمة، التي هي بحسب وصف تاجي لا تسبب إدمانا، كما أن التوجه لطبيب نفسي أو معالج نفسي لا تعني أبدا أن الشخص مجنونا كما هي الفكرة السائدة، فالصحة العقلية تعني فقط أن الشخص بصحة عقلية طبيعية وأن الشخص يعرف قدراته وقادر على التعامل والتشارك مع المجتمع ولا يعني أن المريض النفسي مجنونا على الإطلاق، كل ما في الأمر أن الإنسان الذي لا يتشارك مع المجتمع بصورة سلسة، أو لا يعرف قدراته الكامنة هو شخص لديه مشكلة نفسية معينة يمكن تجاوزها بمساعدة الخبراء النفسيين.

دور الجهات الرسمية والمجتمعية

وبغية الحد من هذه الظاهرة فقد قامت الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات والبريد في سورية قبل سنتين بحجب 160 موقعا إباحيا كخطوة استباقية لحماية جيل الشباب من الانزلاق في الانحلال الأخلاقي، وإلزام جميع مزودات خدمة الانترنت سواء العامة والخاصة بتطبيقه، وفرض عقوبات على كل مزود لا يطبق التعميم، رغم اليقين بعدم فاعلية التعميم في ظل توفر برامج “البروكسي” المتاحة للجميع، وتأجير الأشرطة الإباحية في المحال التجارية.

“وطن بلا إدمان كيان لا يُقهر”

في حين تجلى دور الجهات المجتمعية من خلال قيام الطبيب أحمد تاجي عبر  جمعية الأمان بإقامة مشروع وطني بعنوان “وطن بلا إدمان كيان لا يُقهر”  لمعالجة الإدمان بكل أنواعه سواء أكان “إدمان “النت أو الأفلام الإباحية أو حتى الإدمان بأنواعه المختلفة” من خلال إنشاء مركز إعادة  تأهيل أي “إعادة تأهيل من خلال العلاج الأسري، العلاج الجماعي، أو العلاج الفردي للأشخاص بمقر الجمعية ولكن هذا الموضوع يحتاج لمركز تخصصي وحتى هذا اليوم لا توجد في سورية هكذا مراكز، ويشير الطبيب تاجي: أنهم قاموا بتدريب بعض الأشخاص بوزارة التربية لرصد الحالات ويضيف دربنا الجهاز المركزي بالوزارة، ولكن للأسف فإن التمويل أتى من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين فقط ولكنهم أوقفوا التمويل، لذلك لم نتمكن من المتابعة في المشروع، وينوه د.تاجي: إلى أنه يجب أن يكون هذا المشروع مشروعا وطنيا نكافح من خلاله ظواهر الإدمان بكل أشكاله، فالجمعية لديها الأرض ولكن تفتقد التمويل، وربما من خلال هذا التنويه نجد من يساعد بهذا الموضوع.

مما جرى عرضه سابقا على لسان ذوي الاختصاص نأمل أن يكون أفراد المجتمع بمثابة رقيب ذواتهم، ويدرك الجميع حجم الآثار الجسيمة التي تتركها ظاهرة إدمان الإباحية عليهم وعلى المجتمع، والتي تعتبر كقنبلة موقوتة متى انفجرت أودت بالمجتمع إلى الحضيض.

البعث ميديا – ليندا تلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *