اتّفاق نوويّ “جديد” أم ماذا؟!

 

منذ إبرامه قبل خمس سنوات، كان الاتّفاق النوويّ الهاجس الذي يقلق النّظام السّعودي ويثير مخاوفه، لأنّه اعتُبر في حينها نصراً دبلوماسياً لطهران ضد خصومها في المنطقة، الاتّفاق الذي كان السبب في جفاء العلاقات السعودية الأمريكية في ظلّ إدارة أوباما، كان هو الدّافع لتوطيدها في عهد ترامب، خاصّة بعد أن تعمّد بعبثيّته خرق الاتفاق والانسحاب منه، الملفّ ذاته الآن يضع إدارة بايدن أمام الخيار الوحيد بالعودة إلى طاولة المفاوضات لإحياء الاتّفاق من جديد، ما حدا بالسّعوديين، هذه المرّة، للاستنجاد بالفرنسيّين، في محاولة لممارسة الضّغط على الاتفاق وخلط أوراقه ووضع العقبات في طريقه..

يحاول الرئيس الفرنسي ماكرون استغلال هذا الملف من خلال اتّباع سياسة اللعب على الحبلين، فهو يصرّح بأهمية العودة للاتّفاق من جهة، ويضع العراقيل في طريقه من جهة أخرى، ماكرون الباحث عن بناء “شعبية” ما له في الشرق الأوسط، وخلق “نفوذ” له فيها، لم يكتف بالتّدخل في الشأن اللبناني من خلال “مبادرته” و”خارطة الطريق الفرنسية” للبنان، بل إنه يحاول فرض رؤيته بالاتفاق النووي من خلال تصريحاته التي ستعقّد الملف أكثر بدل إحيائه من جديد، تصريحات تؤكد أنه إنما يسعى وراء مصالحه في المنطقة، ويحاول إرضاء السعودية التي يعتبرها سوقاً رئيسياً لتصريف الأسلحة الفرنسية، والتي أعلن عن زيارته لها منتصف شباط الجاري.

ما يقوم به ماكرون يعيد إلى الذاكرة ما قام به ترامب، حين زار السعودية ليحصّل منها ثمن “حمايته” لها، هذه المرة يتكرر السيناريو نفسه مع ماكرون الذي سيقبض هو الآخر ثمن تعقيد ملف الاتفاق النووي أكثر وفرض بنود جديدة لن ترضى بها إيران..

على ما يبدو فإن ملامح العلاقة السعودية الأمريكية مع بايدن لن تكون كسابق عهدها، ما دفع السعودية للتحرك محاولة إيجاد البديل، ليقع الاختيار على ماكرون الذي طالب أطراف الاتفاق “بضرورة” إشراك السعودية في أيّ محادثات مع إيران للتوصّل إلى اتفاق جديد، وإضافة بنود للاتفاق من أجل تجريد إيران من قوتها الدفاعية، خوفاً من امتلاكها سلاحاً نووياً، وهو الأمر الذي تنفيه طهران باستمرار، مؤكدة أن برنامجها النووي هو لأغراض سلمية فقط، ومع ذلك تبقى العلاقات الإيرانية السعودية متخذة مسار المواجهة الدائمة، خاصة بعد ما أعلنت السعودية أنها لن تتردد في امتلاك السلاح النووي إذا اقتربت طهران من تحقيق ذلك، وهو ما يجعل وجودهما ضمن اتفاق واحد مستحيلاً.

إيران التي أعلنت على الدوام عزمها العودة إلى الاتفاق النووي شريطة الالتزام الكامل ببنوده، ومن كافة الأطراف، ترى نفسها اليوم، ومن جديد، مجبرة على مواجهة لا بدّ منها تجاه ما يحاك لها في الخفاء وفي العلن، وأمام سياسة الضغوط الدولية القصوى التي تمارس عليها، مع ما تحمله من اصطفافات سياسية جديدة واتفاقيات تطبيع وتحركات دولية هدفها الأساس حماية الكيان الإسرائيلي في المنطقة، كلّ ذلك يتبدّى باتفاق نووي جديد، ترسم ملامحه الكثير من التحديات التي ستواجهها إيران خلال المرحلة القادمة، والتي تبدو أنها لن تكون سهلة على الإطلاق.

 البعث ميديا || هديل فيزو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *