تغيرت قواعد اللعبة.. والاستدارة المطلوبة؟

يرى الكثير من المراقبين بأنه لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية هي وحدها من يمتلك قواعد اللعبة السياسية على ساحة المنطقة العربية والعالم بعد مرور قرابة العقد من الزمن على إطلاق مشروع الفوضى الهدامة التي بشرت بها الدبلوماسية الأمريكية “كونديليزا رايس” وعهدت الإدارة الأمريكية تنفيذها للكيان الصهيوني عند انطلاقتها عام 2006. وبعد الفشل الذي واجهته آلة الحرب الصهيونية أمام صمود وشجاعة المقاومة الوطنية في لبنان، تم نقل المهمة إلى حلفائها من الإسلامويين من تنظيم القاعدة وفروعه الذين تم تجميعهم من كل بقاع العالم وإرسالهم إلى سورية والعراق، تحت اسم جهاديي الفتح الإسلامي الجديد.

لقد تمكن المحور الدولي الجديد المكون من الصين وروسيا ومجموعة دول البريكس وإيران وسورية وقوى المقاومة الوطنية في العالم من تغيير قواعد اللعبة، وفرض أسس جديدة أمام الولايات المتحدة وحلفائها من المعسكر الاستعماري وعملائهم في منطقة الشرق الأوسط على فض قواعد الاشتباك السلبي والاتفاق على ضرورة الالتزام بالمواثيق الدولية القاضية بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى وتغيير الأنظمة بالقوة، والعودة إلى مجلس الأمن للحصول على تغطية قانونية لأي تدخل عسكري في أي منطقة من العالم، بعد أن فقد العالم ثقته بسياسة الولايات المتحدة وخاصة ما يتعلق منها بتكتيكات الحرب الافتراضية التي تبنتها هي وحلفاؤها مؤخراً بالحرب على “داعش” واخواتها من تنظيمات إرهابية تابعة جميعها إلى تنظيم القاعدة الإرهابي الام لكل هذه التنظيمات، وتأكد بأن الولايات المتحدة لا تنوي القضاء على “داعش” ، بل تقوم بتسخير عناصر المعركة المتنوعة مجتمعة بما فيها قوات ما سمي بالتحالف الدولي لصالح المشروع الصهيو – أمريكي القديم المجدد رغم كل ما أصابه من الفشل والهزيمة نتيجة صمود محور المقاومة الذي تقوده سورية وإيران وتدعمه روسيا بقوة، وتستمر الولايات المتحدة باللعب على عامل الوقت في محاولة حصول اختراقات استراتيجية في المعركة عبر حرب استنزاف طويلة الأجل لتحقيق الأهداف التي تنسجم مع أطماعها المحددة مسبقاً لهذه الحرب بمعزل عن موقف ودور القوى الدولية الأخرى الشريكة في القرار، ومتجاهلةً بذلك كل التشريعات والقوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة الناظمة لمثل هذه الأزمات ولم تخف الإدارة الأمريكية امتعاضها من الفشل الذي حصدته نتيجة سياساتها الخاطئة ، فهي من جهة تتقبل الواقع الجديد مرغمةً وتنادي بالحلول السياسية ، وتسعى من خلال التصريحات والمواقف إلى تأجيج نار الصراع عبر وسائلها المتنوعة، وهذا ما ظهر واضحاً في دفاعها الراسخ عن صحة وسلامة الاتفاق النووي مع إيران وقبولها الانتقال من حالة التصعيد والتوتر إلى مبدأ القبول بالحلول السياسية للمشاكل الدولية ، كون الحروب أكثر خسارة وتدمير لمصالح الجميع بما فيها الولايات المتحدة وحلفائها ومن جهة اخرى تستمر في التصعيد واللعب على ذات الوتر القديم في دعم التنظيمات الإرهابية المقاتلة في سورية تحت غطاء ” القوات السورية المعتدلة ” من جهةٍ أخرى!

يتمحور الحراك السياسي المتسارع على الساحة الدولية حول تثبيت حالة الوفاق الدولي التي عكسها الاتفاق الهام بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومجموعة الست الكبار على الملف النووي الإيراني، في محاولة لمنع الانزلاق ثانية نحو التصعيد العسكري ونتائجه الكارثية، وتحتل الأزمة السورية مركز تلك التحركات والاجتماعات، لأن أية نتائج لا تنعكس إيجابياً على حل الأزمة السورية والتعاون مع الحكومة السورية الشرعية الوحيدة في مكافحة الإرهاب الدولي والقضاء عليه، تبقى عاجزة عن إيجاد حل موضوعي ومتكامل لمشاكل المنطقة سلمياً  .

الرغم من أن الإدارة الأمريكية تستمر في غيّها وتصر على الايغال أكثر في دعمها للعصابات الإرهابية التي تعتبرها العكاز الذي تتكئ عليه في تنفيذ خططها الشيطانية في سورية والعالم، نجد أنها ستنصاع لصوت العقل وتنحو باتجاه توافق سياسي يُلبي متطلبات حل دائم لمشاكل المنطقة ومن ضمنها الأزمة السورية، وإن المواقف الأخيرة والتصريحات التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي  “جون كيري”  من مشيخة قطر ما هي إلا تأكيد على استمرار محاولات اللعب على عامل الوقت فقط من قبل الإدارة الأمريكية لتدمير ما تبقى من قوى كامنة لدى المجتمع السوري عبر دعم وتمويل العصابات الإرهابية ودب الخوف في نفوس عملائها من أمراء النفط والغاز في الخليج لتوقيع المزيد من اتفاقيات بيع الأسلحة وكان آخرها ما صرح عنه ” كيري” بضرورة الإسراع في إنجاز عقد بيع الباتريوت للسعودية بقيمة 5،4 مليار دولار إضافة إلى تزويدها بذخيرة بقيمة 500 مليون دولار وهذا كل ما يهم الأمريكان من هذه المعركة ، في حين تعي الإدارة الأمريكية تماماً بأن هذه الجرعات من أكسير الحياة لهذه العصابات الإرهابية المجرمة لن تُحقق نتائج جوهرية في حربها ضد الجيش العربي السوري، بل ستقودها عاجلاً أم آجلاً لانتشار الإرهاب ومد يده لضرب أسياده في عقر دارهم، وإن تلك السياسة الرعناء لن تمنع انتصار سورية في حربها المقدسة ضد الإرهاب ومشغليه وداعميه، لكنها قد تؤخر في تنظيف الأراضي السورية من الإرهابيين إلى بعض الوقت، وتساهم في إغراق بعض الدول المشاركة في دعم الإرهاب أكثر في مشاريعها الفاشلة وخاصة تركيا والسعودية التي تنتظرهما أيام قاسية؟

محمد عبد الكريم مصطفى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *