الشريط الاخباريسلايدمجتمع

أكثر من ٣٩٪ نسبة التعطيل في الثلث الأول من العام… كيف تؤثر العطل الطويلة على مختلف القطاعات؟

ملف الأسبوع – البعث ميديا

جرت العادة خلال السنوات الماضية على إعطاء عطلات طويلة في المناسبات الرسمية والدينية ودمجها مع كل ما يتخللها من أيام دوام قبلها أو بعدها، حتى صار الأمر عرفاً عند الغالبية لا يقبل النقاش أو الجدل، وفي حال لم يتم ذلك فإن البعض يقوم بعملية الدمج لوحده.

بالتأكيد فإن الإجازات والعطل ضرورية لضمان استمرارية العمل وانسيابيته، ولكن هل كثرتها أو طول أيامها هو الحل الأمثل للابتعاد عن ضغوطات العمل وروتين الحياة؟

ضغوطات..

في عالم اليوم المليء بالتحديات نجد أن الأشخاص العاملين هم بأمس الحاجة للاستراحة والاسترخاء وتحقيق التوازن بين العمل والحياة، من أجل تجديد النشاط وتحسين الصحة العقلية والنفسية.

العديد من الخبراء، ممن استطلع “البعث ميديا” آراءهم، أكدوا على ضرورة الابتعاد، بين حين وأخر، عن مشاغل الحياة ومسؤوليات العمل، حيث يُلاحظ تغيرات إيجابية على طريقة تفكير الأفراد، فالإجازات والعطل تعزز الصحة العقلية للموظفين وتقلل من التوتر والإجهاد الناتج عن العمل الزائد وتخفيف أمراض القلق والاكتئاب.

ووفقاً للكثير من الدراسات، فإن الإفراط في العمل دون أخذ بعض الراحة قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، لذا تعمل الإجازة أو العطلة على ضبط الدماغ وتحسين الذاكرة وبالتالي زيادة تركيز العاملين وإنتاجية أعلى.

الإنتاجية..

مستويات الإجهاد المرتفعة التي يتعرض لها العاملون على مدار العام تقلل من كمية الدوبامين في أجسامهم، الأمر الذي يتسبب بسلوكيات اكتئابية، وفقاً لأخصائيين التقينا بهم، الأمر الذي يؤثر على إنتاجيتهم، حيث إن الأشخاص المجهدون من مواصلة العمل يتبعون أنماط روتينية ويصبون اهتمامهم على الضغط الواقع عليهم، وهذا ما يقلل من وصول الأفكار الإبداعية إلى وعيهم.

وتعمل الإجازة على تحرير الموظف من الإجهاد وتساعده على إعادة التوازن إلى حياته، وتوفر بيئة خصبة لتحقيق الإبداع، فالخروج من الروتين المعتاد يعزز الإنتاجية وجودة العمل المقدم، إذ تدفع كثرة الضغوطات العاملين لترك وظائفهم الأمر الذي يؤثر على إجمالي العمل الذي تقوم به المؤسسات والشركات، لذا فعندما يكون الموظفين سعداء وبصحة جيدة فهم أقل عرضة لترك وظائفهم.

انعكاسات الحالة الإيجابية التي تتركها الإجازة لدى العاملين لا تقتصر على الأفراد وحسب، إذ تستفيد الشركات منها أيضاً حيث تقل نسبة الاستقالات بين الموظفين، وبالتالي تحسين جودة الإنتاج والخدمات المقدمة، إضافة إلى توفير نفقات تدريب كوادر جديدة لتعويض النقص الحاصل في اليد العاملة، خاصة في القطاعات الإنتاجية.

نتائج عكسية..

ومع كل الحديث عن فوائد العطل وأثارها الإيجابية، إلا أن كثرة العطل وطول مدتها له تأثيرات سلبية، في بعض الأحيان، خاصة عندما تكون متقاربة، الأمر الذي يعيق استكمال العمل ويؤثر على معدلات الإنتاج العام.

في سورية سجلت العطل نسبة مرتفعة منذ بداية العام الحالي، مقارنة بأيام الدوام الفعلي، حيث بلغت، حتى نهاية عطلة عيد الشهداء في 6 أيار الجاري، حوالي 50 يوماً، أي ما يزيد عن شهر من أصل أربعة أشهر دوام، لتصل نسبة التعطيل إلى 39,3% من أيام العام الحالي، حيث كان شهر نيسان في مقدمة الأشهر بـ 13 يوم عطلة بنسبة تعطيل بلغت 42,3%.

وبحسب خبراء الاقتصاد، فإن الربع الأول من العام هو الأساس في تحقيق الخطط الإنتاجية والاقتصادية لباقي السنة، وعليه فإن زيادة أيام العطل كظاهرة متكررة له تأثيراته على الحالة الإنتاجية في جميع القطاعات.
اقتصادياً..

يرى الصناعي عاطف طيفور، في تصريح لـ“البعث ميديا”، أننا بحاجة لكل دقيقة عمل بكافة القطاعات لمكافحة الكساد الحاصل في الإنتاج، لافتاً إلى أن تمديد العطل ودمج المناسبات نهج غير صحي لتوفير بعض النفقات، لما له من انعكاسات سلبية على الاقتصاد العام وحركة التبادل التجاري.

ونوه إلى أن العطل الطويلة تنعكس على رفع نسب الاستهلاك والتداول النقدي بالأسواق ما يؤثر على التضخم وسعر الصرف، إضافة إلى أنها تزيد من نسبة سفر المواطنين، خاصة ممن يعملون في محافظات غير محافظاتهم، الأمر الذي يستنزف مواردهم المقننة.

ومع تراجع الاقتصاد السوري، نتيجة العقوبات القسرية والحرب، باتت الحاجة ملحة لساعات عمل طويلة لتعويض النقص الحاصل، وفي هذا السياق يوضح الصناعي والباحث عصام تيزيني أن أغلب المصانع تعمل بأدنى طاقاتها الإنتاجية، وزيادة ورديات العمل خيار شبه معدوم، نتيجة عدم وجود أسواق لتصريف منتجاتها، محذراً من أن تصبح المعامل معطلة كلياً إن استمر هذا الأداء الهزيل، على حد تعبيره.

تقليص العمل..

وعلى الرغم من كثرة أيام العطل إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي ضجت، منذ بداية العام الحالي، بأنباء تتعلق بدراسة حول إمكانية تقليص أوقات العمل في المؤسسات الرسمية، سواء عبر إقرار يوم عطلة ثالث أو تقليل ساعات العمل اليومية، وذلك بهدف تحسين إنتاجية الموظفين والعمال من جهة وتخفيف هدر الموارد في المؤسسات من جهة أخرى، بحسب وصف العديد من الخبراء.

إلا أن هذا الطرح لا يمكن أن يتم بالشكل الذي يتم طرحه على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، رغم تقليص بعض الدول لساعات العمل وزيادة أيام الإجازات، إلا أن ذلك غير ممكن في الوضع الراهن الذي نعيشه، إذ من الضروري اليوم زيادة الإنتاجية ودعم جميع القطاعات لتقديم أفضل الخدمات للنهوض بالاقتصاد الوطني.

إضافة إلى أن قراراً كهذا يتطلب تعديلاً في قانون العاملين الأساسي والذي ينص على عدد ساعات معينة، كما حصل سابقاً عندما تقرر اعتبار يوم السبت عطلة رسمية، حيث ترتب على ذلك زيادة ساعات العمل وتوزيعها على أيام الأسبوع للحفاظ على 36 ساعة عمل تقريباً، وذلك بحسب تصريح سابق لعضو مجلس الشعب الدكتور محمد خير عكام.

فرص عمل..

زيادة أيام العطلة الأسبوعية أو تقليص ساعات العمل يمكن أن يكون له بعض النتائج الإيجابية، في حال طُبق، ولا نقول إنه الخيار الأمثل، ولكن من ناحية معينة يمكن أن يخلق حاجة أكبر للتوظيف للعمل ضمن ورديات على مدار اليوم، ما يضمن استمرارية العملية الإنتاجية وتقديم الخدمات بشكل أفضل.

ومن جهة أخرى، يمكن أن يتيح للكثيرين إمكانية إنجاز أعمال أخرى خلال ساعات النهار المتبقية، تعود عليهم بعوائد اقتصادية، خاصة مع الحاجة لأكثر من مورد دخل للفرد بظل الظروف الراهنة.

ومع كل هذه الطروحات التي تهدف للحفاظ على موارد مؤسسات القطاع العام، بشكل خاص، فإن ذلك لا يمكن أن يكون إلا بزيادة الإنتاجية بمختلف القطاعات لتحقيق النهوض الاقتصادي، وما له من تبعات على مناحي الحياة الأخرى.

تربوياً..

الحق في الاسترخاء والاستجمام لبعض الوقت لا يعني أن الموظف وحده من يحتاج إلى إجازة للراحة، فالطلاب أيضاَ بحاجة لها، لما تقدمه العطلة لهم من فوائد تتمثل في تجديد نشاطهم والابتعاد عن ساعات الدراسة الطويلة، فضلاً عن توفير قسط كافٍ من الراحة الجسدية والعقلية للطالب، حيث تساعده على التركيز وتنمية الخيال والإبداع.

الأخصائية التربوية، سناء خضور، بينت، في حديث لها مع “البعث ميديا”، أنه من المهم إبعاد الطفل خلال العطلة عن الروتين اليومي حتى لا يشعر بالملل أو التوتر، إضافة إلى أهمية قضاء وقت مع العائلة، خاصة مع كثافة المناهج الدراسية وكثرة المطلوب من المواد التعليمية التي باتت تتطلب وقتا وجهداً كبيراً لدراستها.

ولفتت الأخصائية إلى أن الطلاب، خاصة من هم في مرحلة التعليم الأساسي، يحتاجون للعب وممارسة النشاطات الترفيهية لتنمية حواسهم وتقوية طاقاتهم، ويزيد انتباههم بعد العودة إلى مقاعد الدراسة ويكونوا أكثر استعداداً للتعلم من جديد.

في المقابل، يمكن أن تكون العطلة فرصة للطلاب الذين لديهم تراكمات دراسية لإنجازها وسد النقص الحاصل لديهم في بعض المواد ليواكبوا أصدقائهم ومعلميهم، والأمر أكثر إلحاحاً بالنسبة لطلاب الصفوف الأعلى الذين لديهم أعباء إضافية، ما بين الواجبات المنزلية والتحضير للامتحانات.

من جهة أخرى يرى العديد من المدرسين والتربويين أن كثرة العطل أدى لقصور في العملية التعليمة، حيث إن كثافة المناهج الدراسية لا تحتمل أي أعطال إضافية، رغم أن كل التربية تضع في الحسبان الأعطال الرسمية خلال وضع المنهاج الدراسي.

ووفقاً للعديد من الأساتذة، في اختصاصات متعددة، فإن العطلات تعيق إكمال المنهج التعليمي خاصة وأنه من الممكن أن تحصل ظروف معينة، تزيد على العطل في تأخير إتمام المقررات، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة كمية المعلومات المعطاة ضمن الحصة الدرسية، في محاولة لإتمام المنهاج، أو نقص في المعلومة لضيق الوقت.
قانونياً..

بالنسبة للمؤسسات الخدمية، يؤدي تقليص أيام الدوام إلى تراجع مستوى تقديم هذه الخدمات، ما يتسبب بإعاقة أعمال المواطنين ومعاملاتهم الحكومية، فهناك معاملات ضرورية لا تحتمل التأخير ويكون ضرر ذلك كبيراً في بعض الأحيان.

في هذا السياق، أكدت المحامية لينا ناجي، في حديثها لـ”البعث ميديا”، أن العطل الطويلة تؤثر على عمل الجهات الإدارية، لاسيما المالية والطابو، المتعلقة بشكل كبير مع المحاكم، فيما يخص الأمور المدنية وحتى بالنسبة للأحوال الشخصية التي يتوقف العمل عليها على قيد مدني أو غيره، أما فيما يتعلق بالمحامين، فتأثير العطلة يكمن في إطالة فترة الدعوى فقط.

وتضيف ناجي أنه لا يمكن اعتبار هذا الأمر سلبياً بالمطلق، على اعتبار أن أي عطلة تأتي فهي تتم دراستها مسبقاً من قبل لجان مختصة تتطلع على التقويم وعلى ضوئها يتم إصدار القرار، بالتنسيق مع المختصين اقتصاديا والمختصين بالموارد البشرية، خصوصاً أن أغلب العطل الطويلة التي مرت يحكمها التقويم وليس إرادة الحكومة.

وتطرقت ناجي إلى العطلة القضائية التي تبدأ من 1/7 لغاية 15/7 ومن 1/8/ لغاية 15/8 ومن 1/9 حتى 15/9، المحصورة بالقضاة، إذ لا يوجد جلسات في المحكمة وإنما استمرار للعمل الإداري القائم أصولا دون النطق أو الفصل بأي دعوى قضائية خلال العطلة، علما أنه يوجد قضاة مناوبين في الشرعية والجنايات والتحقيق والبداية والاستئناف لمعالجة الأمور المستعجلة، مبينة أنه في مجلس الدولة تتشارك العطلة مع القضاة في وزارة العدل، وتنعكس طرداً عطلة القاضي على عمل المحامي فيما يتعلق بجلسات المحاكم وتدقيق الدعوى والفصل.

بدوره، ذكر المحامي علاء سلمو لـ “البعث ميديا” أن تأثير العطلة الرسمية من الناحية القانونية يؤدي إلى تأجيل المواعيد الهامة، مثل مواعيد المحاكمات والجلسات القضائية والتأخر في انجاز بعض المعاملات للمواطنين، ما يؤثر على الخطط الشخصية للأفراد وتعطيل مصالحهم.

ولفت إلى أن عدم التخطيط للعطل بشكل جيد له ذلك التأثير السلبي، حيث يجب مراعاة بعض النقاط قبل أن يتم إقرار أي عطلة، لذلك من الضروري العمل على دراسة للجهات التي سوف يشملها القرار وتوفير الحلول البديلة لضمان استمرارية تقديم الخدمات الأساسية والاحتياجات الضرورية للمجتمع، لأن تعطيل بعض الجهات الحكومية سيكون لها تأثير ايجابي على المواطن وعلى خزينة الدولة، لأنها تؤدي إلى تخفيف النفقات والعبء الاقتصادي، بينما بعض الجهات الأخرى لا يجب أن تكون مشمولة به لأنه تؤخر وتعرقل مصالح المواطن خاصة.

عن بعد..

يحمل تأثير العطلة على بيئة العمل أوجهاً عديدة، فهو يدفعنا لاتجاه جديد يجمع بين العمل والعطلة، ففي ظل الثورة التقنية المتسارعة ظهر مفهوم العمل عن بعد، هذا المفهوم الذي ظهر بداية مع أزمة كورونا وأصبح اليوم توجهاً عاماً لدى أغلب الشركات وأصحاب المنشآت، خاصة في القطاعات التي يمكن الاستغناء عن التواجد البشري ضمن المكاتب.

هذا المفهوم الذي يجمع أرباب العمل مع موظفيهم في بيئة افتراضية، يمكن اليوم أن يكون أكثر ضرورة في ظل الأعباء الاقتصادية التي يتحملها الموظف في الوصول إلى وظيفته، إذ يمكن أن يقدم مزايا عديدة لحل مشكلة المواصلات وتوفير المؤسسات والدوائر للكهرباء والطاقة، كما أنه يزيد الكفاءة والإنتاجية بحيث يصبح مستوى الإنجاز وجودة العمل أفضل.

هذا ويجد خبراء أن هذا النوع من الأعمال يساعد في استقطاب كوادر بشرية احترافية والمساعدة في خفض التكاليف بالعموم وتحفيز الاقتصاد وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، ويفتح قنوات تواصل فعالة بين الإدارات والموظفين، وهذا يتطلب من الشركات إنشاء أنظمة جديدة لتسهيل متابعة الموظفين وتقدمهم.

إلا أن لهذا النمط من العمل بعض السلبيات أو أنه يحتاج للمزيد من التكامل في توفر متطلباته، كوفر الانترنت، والبرامج المتاحة للتواصل وانجاز الأعمال والبنية التحتية المنسبة والمرونة في هيكلية المؤسسات التي ستتبع هذا النمط، وهو ما يحتاج لبعض الوقت في ظل ما نعيشه من ظروف تؤثر على كل ما سبق ذكره.

الجودة..

الإجازات والعطل هي عنصر أساسي من عناصر جودة الحياة، وأخذ استراحات قصيرة على فترات يمكن أن يكون منعشاً للعاملين، وكل فرد موظف لابد أن يجد الطريقة الأفضل بالنسبة له للاسترخاء، فطول العطلة أو قصرها لا يعني بالضرورة أننا حصلنا على ما نريد من الراحة ولكن كيفية قضاء العطلة وتنظيمها هو الذي يترك تأثيره على الأشخاص ويحدد كيف سيعودون إلى العمل.